
سألَ الملأُ من بني إسرائيل، من بعدِ النبي موسى، نبياً لهم أن يدعوَ اللهَ أن يبعثَ لهم ملِكاً ينظِّم صفوفَهم ويقودهم في قتالِهم العدوَّ الذي أخرجَهم من ديارِهم وأبنائهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (من 246 البقرة).
فلما أخبرَهم نبيُّهم بأنَّ اللهَ قد اختارَ منهم طالوتَ ليكونَ الملكَ عليهم، ما كان منهم إلا أن اعترضوا على هذا الاختيارِ الإلهي متذرعين بحجةٍ مفادها أنَّه لم يكن غنياً فاحشَ الثراء، فكيف يكونُ هو الملكَ عليهم وقد اعتادوا ألا يكونَ الملكُ إلا أكثرَ الناسِ ثراءً؟: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) (من 247 البقرة).
وهنا أجابهم نبيُّهم بأنَّ العلةَ من وراءِ اختيارِ اللهِ طالوتَ ملكاً عليهم هي أنَّ اللهَ قد جعله أضخمهم جسماً بما زاده بسطةً في أبعادِه، كما واختصَّه بما لم يحيطوا به علماً: (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (من 247 البقرة).
هنا تتجلَّى مفارقةٌ ذاتُ دلالة، وذلك بمقارنةِ السببِ الذي يصبحُ بمقتضاه المرءُ ملِكاً، من وجهةِ نظرِ القوم، بالعلةِ التي صار بمقتضاها طالوتُ عليهم ملكاً. فالبسطةُ في الجسم، التي زادَ اللهُ طالوتَ بها طولاً وعرضاً، كانت أمراً “غيرَ طبيعي”، وذلك لأنها كانت نتاجَ تدخلٍ مباشرٍ من لدن الله أصبح جسمُ طالوت بمقتضاه بهذه الأبعاد البشرية غير المألوفة. كما وأنَّ العِلمَ الذي امتاز به طالوتُ على قومِه لم يكن هناك من سبيلٍ ليحظوا به أما وأنَّ اللهَ هو مَن اختصَّه به.
فطالوت قد أصبح ملِكاً على قومِه بما آتاه اللهُ من زيادةٍ في العِلمِ والجسم، وليس لمالٍ لا يُعرَف مصدرُه على الحقيقة.
