نحو إعادة تأثيل كلمات إنكليزية… مقاربة عربية بديلة

مثّلت المدرسة الهندو-أوروبية منذ القرن التاسع عشر المرجع الرئيس للتأثيل اللغوي في أوروبا. غير أنّ هذه المدرسة، بما حملته من نزعة “مركزية أوروبية”، كثيرًا ما تجاهلت اللغة العربية، رغم ما تتمتع به من طاقة اشتقاقية غنية قادرة على إيضاح مسارات تطورية معجمية لم تستطع المدرسة الهندو-أوروبية وحدها أن تفسرها.
تنطلق هذه المقالة من فرضية نقدية: أن عددًا من الكلمات الإنكليزية ذات التداول اليومي تحمل أصولًا عربية موغلة في القدم، وأن محاولة حصرها ضمن النطاق الهندو-أوروبي قد أهملت طبقات أعمق من التاريخ اللغوي. وتعرض المقالة ثلاث كلمات نموذجية، هي: cut، attack، bay.
يرتكز المنهج الهندو-أوروبي على المقابلة الصوتية والقوانين التطورية المنتظمة (كقانون غريم)، إلا أنّ هذا المنهج كثيرًا ما عجز عن تفسير التشعبات الدلالية العميقة. من جهة أخرى، تقدّم العربية نموذجًا فريدًا في وفرة الاشتقاق، ما يجعلها حقلًا خصبًا لإعادة قراءة كثير من الألفاظ الأوروبية.
وتؤيد دراسات أنثروبولوجية (Renfrew، Cavalli-Sforza) أنّ الهجرات البشرية القديمة من جزيرة العرب إلى أوروبا تركت آثارًا لغوية مبكرة. من هنا يصبح النظر إلى العربية ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة علمية.

التحليل اللغوي

  1. كلمة Cut
  • المنظور الهندو-أوروبي:
    تعود إلى النوردية القديمة kuta بمعنى “يضرب/يشج”، وانتقلت إلى الإنكليزية الوسيطة.
  • المنظور العربي:
    الجذر قدّ يشكّل مركزًا اشتقاقيًا واسعًا: قصّ، قطّ، جزّ، جثّ (ومنها اجتثّ)، جدع، اجتزّ، اقتطع…. جميعها تلتقي في معنى الفصل والانفصال.
    هذا الثراء الاشتقاقي يُرجّح أن cut ليست سوى استمرار صوتي-دلالي للجذر العربي قدّ/قطع.
  1. كلمة Attack
  • المنظور الهندو-أوروبي:
    من الفرنسية attaquer، عن الإيطالية attaccare، من اللاتينية المتأخرة attachiare (يثبّت/يربط). ثم تحوّلت دلاليًا إلى “الهجوم”.
  • المنظور العربي:
    الجذر دكّ كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (الفجر: 21)، و ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (الأعراف: 143).
    معنى دكّ = الهدم العنيف بالمباغتة والضغط، وهو المعنى الجوهري في “الهجوم”. التوافق الصوتي (د ↔ t، ك ↔ k/c) يزيد الترجيح.
  1. كلمة Bay
  • المنظور الهندو-أوروبي:
  • خليج: من الفرنسية القديمة baee (فتحة)، عن اللاتينية batare (يتثاءب/يتفتح).
  • ينبح: من abayer.
  • غار/توت: من اللاتينية baca.
  • المنظور العربي:
    الجذر بئر يقدّم أساسًا أكثر اتساقًا؛ فالعرب تربط التشكيلات الجغرافية المائية بالماء نفسه لا بحدودها. من هذا الأصل تشعبت:
  • Bay (إنكليزية)
  • Beck (إنكليزية شمالية)
  • Bach (ألمانية)
  • Brooke (إنكليزية)
    هذه الشبكة الواسعة لا يمكن تفسيرها بالاحتكاك المتأخر فقط، بل تدل على طبقة هجرات عربية قديمة زرعت الجذر في أوروبا.
    تُظهر هذه الأمثلة الثلاثة أنّ المنهج الهندو-أوروبي، على الرغم من أدواته الصوتية الدقيقة، يبقى عاجزًا أمام ظواهر التشعب الدلالي. في المقابل، تقدّم العربية بفضل غناها الاشتقاقي إطارًا أكثر تفسيرًا.
    إنّ وجود جذور عربية في مفردات أوروبية أساسية يفرض إعادة نظر في مسألة نشأة اللغات الأوروبية، ويدعو إلى دمج المنظور العربي-السامـي ضمن أي مشروع تأثيلي عالمي. فاللغة ليست أثرًا معزولًا بل انعكاس مباشر لمسارات الهجرات البشرية القديمة.
    تخلص المقالة إلى أنّ كلمات إنكليزية مركزية مثل cut، attack، bay تجد تفسيرها الأوفى في الجذور العربية (قدّ/قطع، دكّ، بئر). ويشير ذلك إلى أنّ المسألة ليست محض استعارة عابرة بين لغات متجاورة، بل هي أثر تاريخي عميق يعكس دور الهجرات العربية في تشكيل الخلفيات اللغوية لأوروبا.
    إن إعادة كتابة تاريخ اللغات الأوروبية تستدعي توسيع نطاق المقارنة ليشمل العربية باعتبارها منبعًا أصيلًا لا غنى عنه.
  • August Schleicher, Compendium der vergleichenden Grammatik der indogermanischen Sprachen.
  • Antoine Meillet, Introduction à l’étude comparative des langues indo-européennes.
  • Julius Pokorny, Indogermanisches etymologisches Wörterbuch.
  • Renfrew, C. (1987). Archaeology and Language: The Puzzle of Indo-European Origins.
  • Cavalli-Sforza, L. (2000). Genes, Peoples and Languages.

أضف تعليق