
لم يعرِّف اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم الشجرةَ التي أمرَ آدمَ وزوجَه بألا يأكلا منها:
1- (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (35 البقرة).
2- (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف).
كما أنَّ الشيطانَ، بادئَ الأمر، لم يعرِّف هذه الشجرة، واكتفى بأن أشار إليها: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (من 20 الأعراف).
ثم أنَّ الشيطانَ استدرك فعرَّف الشجرةَ بما حسب أنه سيكون ذا قدرةٍ على جعلِ آدمَ وزوجِه يسمعان له ويطيعانه: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (120 طه). وتعريف الشيطان لهذه الشجرة بأنها “شجرة الخُلد” لَيتعارض مع إصرارِ اللهِ تعالى على ألا يعرِّفَها: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (من 22 الأعراف).
يتبيَّن لنا، وبتدبُّر ما تقدَّم، أنَّ القرآنَ لم يرد فيه أيُّ تعريفٍ للشجرةِ التي أكل منها آدم وزوجُه، وأنَّ تعريفَ الشجرة بأنها “شجرة الخُلد” إنما هو تعريفُ الشيطانِ لها. ولو أننا تدبَّرنا العهدَ القديم لتبيَّن لنا أنَّ الشجرةَ التي أكلَ منها آدمُ وزوجُه قد عرَّفها “سِفرُ التكوين”، والذي هو أول أسفار العهد القديم، بأنها “شجرة معرفة الخير والشر”. ويخطئ مَن يتوهم أنَّ “سِفر التكوين” قد عرَّف الشجرةَ التي أكلَ منها آدم وزوجُه بأنها “شجرةُ الحياة”. فشجرة الحياة، وفقاً لسِفرِ التكوين أيضاً، هي شجرةٌ أخرى حِيل بين آدم وبين الوصولِ إليها.
وهنا يبرز السؤال التالي: لماذا لم يعرِّف اللهُ في قرآنِه العظيم الشجرةَ التي أكلَ منها آدمُ وزوجُه؟
إنَّ الإجابةَ على هذا السؤال تقتضي وجوبَ القولِ بأن هذه الشجرةَ ليس لها ما يماثلُها في الأرض حتى يعرِّفَها اللهُ تعالى لنا فنعرفَها؛ فهي شجرةٌ لا تتواجد إلا في تلك “الجنةِ السماوية” التي أسكن اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه فيها. ويؤكد ذلك أنَّ اللهَ تعالى أخبرنا في قرآنِه العظيم بأنَّ آدمَ وزوجَه ما أن ذاقا الشجرةَ، فبدت لهما سوءاتُهما، شرعا في تغطيةِ جسمَيهما “من ورقِ الجنة”: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (من 22 الأعراف). فالأشجار التي نعرفُها على هذه الأرض لا يوجد منها ما يمكِّنُ الإنسان من أن يغطي عَريَه بها.
