نحو ميتافيزيقا علمية لا تخضع لسلطان الميتافيزيقا!

لا يمكن للعلم أن يتحرّر تمامًا من الميتافيزيقا. فكلّ مقاربة علمية لظواهر الوجود ترتكز، ولو ضمنًا، على فرضيات أولية لا يملك العلم البرهنة عليها من داخله. هذه الفرضيات تمثّل البنية الميتافيزيقية التي ترافق العلم وتشكّل له إطارًا تأويليًا. غير أنّ التاريخ يبيّن أن الميتافيزيقا كثيرًا ما تحوّلت إلى سلطة معرفية مغلقة، تُقصي ظواهر بعينها وتفرض وصاية على مجالات البحث. من هنا يتولّد سؤال محوري: كيف يمكن للميتافيزيقا العلمية أن تنهض لتكون شريكًا نقديًا للعلم، لا قيدًا على مساره؟
منذ بدايات التفكير الإنساني، ارتبط العلم بالميتافيزيقا:
العصور اليونانية: كانت الطبيعة تُفهم ضمن أطر ميتافيزيقية كلية (أفلاطون وأرسطو)، حيث لم يكن ممكناً الفصل بين الفيزياء والميتافيزيقا.
العصور الوسطى: خضعت المعرفة لسلطة لاهوتية، فرضت ما يجوز البحث فيه وما يجب إقصاؤه، وحكمت على طيف واسع من الظواهر بالمنع أو بالهرطقة.
العصر الحديث: رافق صعود العلم الحديث تحوّل الميتافيزيقا إلى “فرضيات مضمَرة” كالآلية الحتمية عند نيوتن، ثم ميتافيزيقا النسبية والكم لاحقًا.
هذا السياق يُظهر أنّ العلم لم يكن يومًا بلا ميتافيزيقا، لكن الخطر يكمن في تحوّلها إلى سلطة مانعة، تكرّر ما فعلته الميتافيزيقا القروسطية.
إن العلم المعاصر يفاخر بالتزامه بالمنهج التجريبي الصارم، لكنه يستبطن ميتافيزيقا خاصة به:
ميتافيزيقا الوضعية المنطقية: اعتبار ما لا يُقاس أو يُرصد وهمًا أو غير علمي.
ميتافيزيقا المادية الصلبة: ردّ كل الظواهر إلى المادة والطاقة فقط.
ميتافيزيقا الرفض: إقصاء الظواهر الخارقة أو الوعي غير المادي بدعوى أنها “غير قابلة للبحث”، رغم أن هذا الإقصاء نفسه افتراض ميتافيزيقي لا علمي.
إذن، العلم يقصي ظواهر لا لأنه فشل في دراستها، بل لأنه مسبقًا قرّر –ميتافيزيقيًا– أنّها لا تستحق الدراسة.
أمثلة تطبيقية
الميكانيكا الكوانتية: أظهرت حدود الميتافيزيقا الحتمية النيوتونية، وأجبرت العلم على إعادة النظر في مفهوم السببية والمكان والزمان.
الوعي والإدراك: ظلّ موضوعًا مهملاً طيلة القرن العشرين بسبب الميتافيزيقا السلوكية والوضعية، ثم عاد في العقود الأخيرة باعتباره تحديًا علميًا مشروعًا.
الظواهر الخارقة (Paranormal): تم إقصاؤها لا لعدم وجود شواهد، بل لأن الميتافيزيقا السائدة ترى أنها تهدّد استقرار النموذج العلمي المهيمن.
الذكاء الاصطناعي: الجدل حول ما إذا كانت الآلة قادرة على الوعي ليس نقاشًا علميًا بحتًا، بل ميتافيزيقي في جذره.
النهوض بالميتافيزيقا العلمية لا يعني التخلي عنها، بل إعادة تعريف دورها:
ميتافيزيقا نقدية: لا تفرض وصاية على العلم، بل تُبقيه واعيًا بحدوده وافتراضاته.
ميتافيزيقا منفتحة: تُتيح للعلم اختبار الظواهر دون إقصاء مسبق، وتُعيد إدماج مجالات أهملها بدعوى عدم علميتها.
ميتافيزيقا ديناميكية: تقبل التغيّر مع تغيّر نماذج العلم، فلا تتحول إلى دوغما جديدة.
ميتافيزيقا تكاملية: تفتح أفقًا للتلاقي بين الفيزياء، الفلسفة، وعلم الأعصاب، بل وحتى الظواهر الإنسانية والروحية.
السؤال ليس: هل نستطيع إقصاء الميتافيزيقا عن العلم؟ فهذا غير ممكن. بل: أيّ ميتافيزيقا نريد أن ترافق العلم؟
النهوض بالميتافيزيقا العلمية يقتضي جعلها إطارًا نقديًا ومنفتحًا، لا سلطة مانعة. عندها فقط يستطيع العلم أن يتعامل مع ظواهر الوجود بموضوعية حقيقية، وأن يتجاوز الحدود الضيقة التي فرضتها عليه ميتافيزيقا سابقة.

أضف تعليق