
تشكّل قصة آدم وزوجه في الجنة منطلقًا تأويليًا في التراث الديني الإبراهيمي. غير أن سؤال “أي شجرة كانت؟” ظلّ يثير جدلًا بين المفسّرين والمفكّرين. ففي حين ذهب التوراة إلى تعيينها، فإن القرآن أبقى الشجرة بلا تعريف، مكتفيًا بالصيغة الإشارية: «هذه الشجرة» (البقرة 35؛ الأعراف 19). وهذا الاختيار البلاغي يستدعي إعادة قراءة فلسفية.
– الإشارة القرآنية: لفظ هذه الشجرة يربط بين المخاطَب والمشار إليه في مقام مباشر، لكنه يُبقي الكيان غامضًا، فلا ينصرف الذهن إلى طبيعة النبات بل إلى فعل النهي نفسه.
– الإبهام المقصود: يتيح قابلية التعميم؛ فكل ما يشكّل حدًّا إلهيًا في تجربة الإنسان الأرضية يمكن أن يُستعار رمزيًا ليكون “الشجرة”.
– مقابلة بلاغية: الشيطان يكسر هذا الإبهام بتسمية إغرائية (شجرة الخلد). التسمية هنا ليست معلومة بل استراتيجية خطابية تستثمر توق الإنسان للخلود والسيطرة.
التكوين (الإصحاح 2–3) يعرّف الشجرة بأنها شجرة معرفة الخير والشر، ويذكر شجرة أخرى هي شجرة الحياة. التسمية هنا تحدّد محور القصة في “المعرفة”.
القرآن يترك الشجرة غير معرّفة، فيُعيد تشكيل الحدث حول محور “الطاعة والابتلاء”. بذلك يكون المعنى أوسع وأبقى: العبرة ليست في نوع المعرفة أو الثمرة، بل في اختبار الحرية الإنسانية أمام الأمر والنهي.
إن الحدث القرآني يرسّخ فكرة أن الحرية لا تتحقق إلا بوجود حدّ. فالسكن في الجنة «حيث شئتما» لا يكتمل إلا بوجود استثناء واحد: «ولا تقربا هذه الشجرة». وبهذا يتأسس المعنى الأخلاقي: الاختيار لا يُعرف إلا إذا وُجد حدّ يختبره.
إنها نقلة من أنطولوجيا الشيء (ماهيّة الشجرة) إلى أنطولوجيا العلاقة (كيف يواجه الإنسان الأمر).
يكشف القرآن أن الإغواء يبدأ من إعادة تأويل النهي:
«ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين» (الأعراف 20). أداة “إلا” تؤسس رواية بديلة: النهي ليس حكمةً بل حرمانًا من امتياز.
«هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى» (طه 120). التسمية هنا تسويق للوهم.
وهكذا تتحوّل المعصية إلى تحرّر موهوم باسم الخلود.
بعد الأكل، «بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة» (الأعراف 22).
هذا العُري ليس تفصيلًا جسديًا، بل رمز للانكشاف الوجودي: سقوط الحماية التي وفّرها الحدّ، وابتداء الحاجة إلى ستر الذات. فالستر بالجسد يُوازي إعادة رسم حدود الضمير بعد خرق الحدّ في الإرادة.
نتائج واستنتاجات
الإبهام القرآني مقصود: يحرّر القصة من فضول مادي ويحوّلها إلى رمز متجدّد.
التسمية أداة إغواء: يكشف النص أن أول خطوات الخداع هي إعادة تسمية المحظور.
أنطولوجيا الحدّ: لا معنى للحرية بلا قيد يُختبر به الضمير.
الستر والعُري: المعصية تُنتج وعيًا بالنقص، والستر فعل توبةٍ بالرمز الجسدي.
عدم تعريف الشجرة في القرآن ليس نقصًا بل بلاغة مقصودة تجعل التجربة نموذجًا يتكرر في حياة كل إنسان: حدٌّ موضوع، إغواء يُسمّي، إرادة تختار، ووعي يُعيد رسم الحدود.
إنها قصة ليست عن نبات سماوي، بل عن المعادلة الوجودية للحرية والحدّ. وبذلك يتحقق في النص القرآني ما لم تحققه التوراة: تحويل الحدث من واقعة خاصة إلى ميثاق أنطولوجي أبدي.
