
تُعَدُّ نظرية التطور الداروينية من أكثر النظريات العلمية تأثيراً في تفسير نشوء الكائنات الحية وتطورها عبر ملايين السنين. وقد اتسمت هذه النظرية بالصرامة المنهجية حينما حاولت تفسير التشابهات البنيوية بين الكائنات، والتي تصل أحياناً إلى نسب تتجاوز 95%. غير أنّها، على الرغم من نجاحها في المجال البيولوجي، تبدو قاصرة عن تفسير خصوصية السلوك الإنساني. فالإنسان، على خلاف الكائنات الأخرى، يُظهر في سلوكياته ما يبدو وكأنه خروجٌ صارخٌ على قوانين الطبيعة: عدوانية مفرطة، نشاط جنسي منفلت، هشاشة مناعية نفسية وجسدية، فضلاً عن أنماط من السلوك لا تُفهم ضمن معيار “المنفعة التطورية”. هذه المفارقة تفتح الباب أمام تساؤلات فلسفية وعلمية حول ما إذا كان الإنسان فلتة تطورية أم يمثل بالفعل حالة من الانحطاط التطوري.
تتمحور هذه المقالة حول السؤال المركزي:
كيف يمكن تفسير السلوكيات الإنسانية الخارجة عن قوانين الطبيعة في ضوء النظرية التطورية؟
وهل يمثّل الإنسان، بما يحمله من قدرات معرفية وفكرية مقرونة بسلوكيات مدمّرة، انحطاطاً تطورياً يضعه خارج منطق “المنفعة الطبيعية” التي تضبط عالم الحيوان؟
يرى داروين أن الانتقاء الطبيعي يحكم تطور الكائنات بما يضمن بقاء الأصلح. وبموجب ذلك، يمكن تفسير كل سلوك حيواني تقريباً من منظور المنفعة التطورية: الغذاء، التكاثر، البقاء.
لكن مع الإنسان، يصعب تفسير أنماط مثل:
الحروب والإبادة الجماعية التي تُهدِّد وجود النوع نفسه.
الانحرافات الجنسية غير المرتبطة بالإنجاب.
الإدمانات السلوكية (المخدرات، القمار) التي تضر بالفرد والجماعة.
هذه السلوكيات لا تنسجم مع مبدأ “البقاء للأصلح”، بل قد تُفسَّر كـ إفراط حرية منحها التطور للإنسان دون أن تضبطها الطبيعة.
تُظهر المقارنة بين الإنسان والحيوان ثلاثة فروقات أساسية:
العدوانية:
الحيوان لا يقتل إلا للغذاء أو الدفاع.
الإنسان يقتل لأسباب رمزية (الهيمنة، العقيدة، السياسة)، وهي أسباب لا تُترجم إلى منفعة تطورية مباشرة.
الحرية مقابل الانضباط:
الحيوان محكوم بضوابط غريزية صارمة لا يستطيع الخروج عليها.
الإنسان يتصرف بحرية تكاد تكون مطلقة، ما يتيح له خرق القوانين الطبيعية.
الهشاشة المناعية:
كثير من الحيوانات تتمتع بمناعة بيولوجية صلبة.
الإنسان أكثر عرضة للأمراض النفسية والجسدية، ما يشي بتراجع تكيفه الطبيعي.
لمواجهة هذا القصور، حاولت مدارس علمية لاحقة سد الفجوة:
علم النفس التطوري: يفسر بعض السلوكيات الإنسانية بأنها بقايا لآليات قديمة كانت نافعة في بيئة الأسلاف لكنها لم تعد كذلك في العصر الحديث (مثل الإفراط في استهلاك السكر والدهون).
السوسيولوجيا التطورية (Sociobiology): ترى أن السلوكيات المدمرة قد تكون امتداداً لآليات تنافسية معقدة ضمن الجماعات البشرية.
نظرية سوء التكيف (Mismatch Theory): تشير إلى أن سرعة التغير الثقافي فاقت التغير البيولوجي، ما جعل الإنسان يعيش في “عصر خارج طبيعته”.
هذه المقاربات تكشف أن ما يبدو “انحطاطاً تطورياً” قد يكون في جوهره فائضاً معرفياً أو انفصالاً عن البيئة الأصلية.
ينتهي بنا هذا التحليل إلى ثلاث مفارقات:
السيطرة والهشاشة: الإنسان يسيطر على الطبيعة لكنه أكثر الكائنات ضعفاً أمامها.
العقل والعدوانية: يمتلك أرقى ملكات العقل لكنه الأقدر على التدمير.
الحرية والانفلات: مُنح حرية غير مسبوقة، لكنها تحوّلت إلى مصدر تهديد لوجوده.
هذه المفارقات تضع الإنسان في موقع ملتبس: هل هو قمة التطور أم سقوطه الأخطر؟
لا يَسَعُنا الحكم بشكل قاطع بأن الإنسان “انحطاط تطوري” بمقدار ما يمكن القول إنه كائن متفرِّد خرج من دائرة الصرامة الطبيعية إلى فضاء الحرية الثقافية والرمزية. غير أنّ هذه الحرية التي شكّلت نقطة قوة استثنائية قد تتحوّل إلى نقطة ضعف قاتلة إذا لم تُضبط بمعايير أخلاقية ومعرفية جديدة. فالإنسان ليس مجرد فلتة تطورية؛ بل هو مفارقة تطورية تجسّد في آن واحد قمة التطور وأخطر انحرافاته.
