القرآنُ بين جنِّ سورةِ الأحقاف والذين أوتوا العِلم

الحقُّ، لكلِّ مَن يبحث عنه بصدقٍ وإخلاصٍ وتجرُّد، لا يمكن إلا أن يكونَ في تمامِ التناغمِ والانسجام مع سابقِ تصورِه لِما ينبغي أن يكونَ عليه. ولذلك كان بمقدورِ الباحثين عن الحق، بصدقٍ وإخلاصٍ وتجرُّد، أن يتبيَّنوا القرآنَ على ما هو عليه: كتابٌ يهدي إلى صراطِ الله المستقيم. ويستوي في ذلك إن كان هؤلاء الباحثون عن الحق جِناً أم إنساً. فالذين أوتوا العِلم من أهلِ التوراةِ وأهلِ الإنجيل آمنوا بالقرآن كما آمنَ الجنُّ الذين صرفَهم اللهُ تعالى ليستمعوا إلى القرآن وهو يُتلى على النبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم:
1- (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (6 سورة سبأ).
2- (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (29- 30 الأحقاف).
فالباحث عن الحقيقة، بصدقٍ وإخلاصٍ وتجرُّد، لن يُعجزَه شيءٌ عن تبيُّنِ ما في القرآنِ من نظامٍ داخلي لا يمكنُ أن يكونَ من صنعِ بشر. فالقرآن، وإن كان قد تطرَّقَ إلى مواضيعَ امتدت من السمواتِ العُلا إلى ما فوق الثرى وأخفى، فإنه قد تناول هذا النسيجَ الوجودي الممتلئ بالتناقضات بخطابٍ منطقي تجلَّى في هذه الحبكةِ المحكَمة التي ليس بالعسيرِ تبيُّنُها أنى تدبَّرنا آياتِه التي تكاملت فيما بينها لتصوغَ رسالةً موحدةً لا اختلافَ ولا تناقضَ بين مفرداتِها: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).

أضف تعليق