حول عدمِ جواز إعادةِ فهمِ القرآن على ضوءِ متغيراتِ العصر

للقرآنِ رسالةٌ لا قدرةَ للزمانِ على أن يطالَ من ثباتِها ودوامِها. فالقرآنُ صامدٌ بوجهِ هذا التيار الجارف من التغيرات التي قضى اللهُ بأن تتسارعَ وتيرتُها بمضي الأيام. فالقرآنُ يتوجَّه بخطابِه الإلهي إلى نفسِ الإنسان بأكثرَ من توجُّهِه إلى عقلِه. ولو أنَّ الخطابَ القرآني أُريدَ به أن يكون مقصوراً على عقلِ الإنسان، لتغيَّرت مفرداتُه وتمايزت بتغيُّرِ الأزمانِ وتمايزِها؛ وما ذلك إلا لأنَّ عقلَ الإنسانِ قد جُبِلَ على أن يكونَ دالةً للزمان يتغيَّرُ بمضي أيامِه ويتغايرُ بتتابعِ أعوامِه، بينما النفسُ البشريةُ ثابتةٌ صامدةٌ في وجهِ الزمانِ فلا قدرةَ لمتغيراتِه على أن تُحدِثَ فيها ما ليس فيها، وذلك بأن تضيفَ إليها وتُنقِصَ منها.
وإذا كان البشرُ يتمايزون عن بعضِهم البعض بقدراتِ عقولِهم، وذلك جراء عواملَ وراثية، أو استعدادٍ ذاتي، أو ظروفِ التنشأة والتربية والتعليم والتثقيف، فهُم سواء فيما تنطوي عليه نفوسُهم من نزعاتٍ ورغبات وميولٍ وتوجهات حتَّمتها عليهم الظروفُ الاستثنائية لتخلُّقِهم. صحيحٌ أنَّ الإنسانَ قد خاضَ مسيرةً تطورية داخل عالَمِ الطبيعة امتدت لمئاتِ الملايين من السنين، غير أنه، ولأسبابٍ لا يمكنُنا إلا أن  نُقِرَّ بعظيمِ تأثيرِها عليه، قد تعيَّنَ عليه أن يغادرَ هذا العالَمَ من بعد أن أصبح عاجزاً عن التقيُّدِ بقوانينِه والامتثالِ لضوابطِه ومحدِّداتِه. ولذلك فإنَّ القرآنَ يخاطبُ في الإنسانِ نفسَه بأكثر مما يخاطبُ عقلَه، الذي هو الآخر، قد أصبح، ومن بعد تلك الانعطافةِ التطورية، مُلكَ يمين النفس البشرية تتصرَّف فيه أنى تشاء.
ولذلك أيضاً كان الخطابُ القرآني للإنسان هو ذاتَه على مرِّ العصور وتعاقبِ الدهور واختلافِ الأعراق وتباينِ الثقافات. فالإنسانُ لا يشقى بعقلِه قدرَ شقائه بنفسِه التي سبق وأن جعلته يخرجُ على الطبيعةِ ثائراً على قوانينِها، متمرداً على نظامِها، متوهماً أنه قادرٌ على أن يكونَ له وجودٌ آمنٌ على الدوام وإن استظلَّ بغيرِ ظلِّها. فالقرآنُ هو وسيلةُ الإنسانِ الوحيدة التي بوسعِها أن تكفلَ له عودةً آمنةً إلى الطبيعة، بما يتيحه له من تمكينٍ روحي يؤهِّلُه لأن يتلقَّى من اللهِ المددَ الكفيلَ بجعلِه يصبح “الإنسانَ الكامل” الذي خُلِقَ ليكونَه.

أضف تعليق