معضلة التناقض البشري… كيف يؤمن الإنسان بالفكرة ونقيضها في آن؟

لقد دأب الفلاسفة وعلماء النفس على محاولة فك شفرة الشخصية البشرية، إلا أن محاولاتهم غالبًا ما تصطدم بجدار منيع هو التناقض الملازم لهذا الكيان المعقد. فبينما يُفترض بالعقل أن يكون صرحًا منسجمًا من المنطق والاتساق، نجد أن الإنسان يتفرد بقدرة مذهلة، تكاد تكون “فوق طبيعية”، على احتضان الأفكار المتعارضة والإيمان بالشيء ونقيضه في اللحظة ذاتها. هذا ليس مجرد ضعف في التفكير، بل هو جزء أصيل من الحب الفكري الذي نكنّه لأفكارنا.
يتجلى هذا التناقض الأجلى في عجز الإنسان عن الإخلاص لفكرة بعينها. قد نرى شخصًا يتشبث بمبدأ معين، يدافع عنه بشراسة، ويواجه كل من يشكك في صحته أو ينكر إيمانه به. ومع ذلك، في زوايا النفس الخفية، أو حتى في تصرفاته اليومية، نجده يؤمن بنقيض هذا المبدأ بدرجة عميقة لا تقل رسوخًا. العجيب في الأمر أن هذا التذبذب لا يورثه إحساسًا بالتناقض أو الغضاضة؛ بل يظن أنه قادر على الموازنة بينهما دون أن يجرح أيًا من معتقداته.
إن هذا العجز عن اتخاذ قرار حاسم حيال فكرة ما، سواء بالإيمان المطلق أو الرفض القاطع، يضرب عميقًا في أسس النفس البشرية. فهو يجعل المرء يقدم على فعل ما ثم يحجم عنه، يتبنى موقفًا ثم يمارس عكسه، وكل ذلك يحدث تحت مظلة من اللامبالاة بالتناقض، مما يترك المتابع في حيرة ويتعجب: “كيف فاته أن يدرك هذا التعارض الصارخ في فعله؟”.
لعل أبرز الأمثلة وأكثرها إثارة للجدل على هذا التناقض نجده في تصريحات بعض الذين يجاهرون بعدم الإيمان بالقوى الغيبية أو المعجزات، بينما تستمر فطرتهم البشرية في البحث عن سند يتجاوز المادية المطلقة. كيف يمكن فهم عبارتين شائعتين مثل:
“I don’t believe in God, but I miss him” (أنا لا أؤمن بالله، لكني أفتقده).
  “I don’t believe in Miracles, I depend on them” (أنا لا أؤمن بالمعجزات، لكني أعتمد عليها).
هنا يكمن الجوهر: كيف يستقيم أن تؤمن بالشيء ونقيضه في الوقت ذاته؟ إن الإقرار بعدم الإيمان أو الرفض العقلي للفكرة لا يلغي الحنين الوجداني أو الاعتماد العملي عليها. إنه صراع بين العقل الذي يريد اليقين والمنطق، والقلب الذي يطلب الطمأنينة والأمل والخرق للقاعدة. الإنسان يرفض المعجزة بالمنطق، ولكنه في أحلك اللحظات يتشبث بها كـ “خطة بديلة” أو أمل أخير. هذا الجمع بين الإنكار العقلي والاحتياج العاطفي/العملي هو توقيع خاص بالبشر.
يستوقفنا هنا سؤال جوهري حول أصل هذا التميز البشري: أي منفعة تطورية تلك التي جعلت الإنسان يكتسب هذه المقدرة على الجمع بين المتناقضات؟
إذا كان الإنسان ذا ماضٍ حيواني، يقوم على الانسجام التام مع الطبيعة، والخضوع المطلق لضوابطها ومحدداتها وقوانينها البسيطة التي لا تعرف الازدواجية، فكيف ظهر هذا التعارض السلوكي الشاسع؟ الحيوان لا يناقض غريزته، لا يؤمن بالخطر ويسعى إليه في نفس الوقت، ولا يعارض الضرورة البيولوجية بحجج فلسفية.
في المقابل، يتميز الإنسان بالقدرة على الخروج عن سياق الضرورة البيولوجية، ليمارس فعلًا يصفه المنطق بأنه “غير نافع” أو “غير متسق”. قد يكون هذا التناقض هو الثمن الذي دفعناه مقابل اكتساب الوعي الذاتي المعقد، والقدرة على التفكير المجرد، وربما هو المنفعة التطورية الخفية التي سمحت للإنسان بالبقاء مرنًا وقادرًا على التكيف مع التغيرات الجذرية، ليس عن طريق الانسجام الكامل، بل عن طريق احتواء التوتر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
إن هذا التناقض ليس عيبًا، بل هو رمز لعظمة الروح البشرية وقدرتها الفريدة على الحب والاحتواء؛ حب الفكرة وحب نقيضها، حب اليقين وحب الغموض، وهذا ما يجعل الكائن البشري لغزًا لا ينضب.

أضف تعليق