
لا يمكن فصل سيرة القديس مار شربل مخلوف (1828-1898) عن تجربته الروحية الفريدة التي بلغت ذروتها في محبسة بطرس وبولس في عنّايا. هذه السنوات الـ 23 التي قضاها في عزلة تامة تقريباً، وفقاً لقانون النُسّاك (الحبساء)، لم تكن مجرد فترة تقشف، بل كانت رحلة “صوفية” مسيحية خالصة، تتجلى فيها مظاهر الفناء في الذات الإلهية و”السكْر بالله”، وهو مصطلح استخدمه وديع صبور في وصفه لحالة القديس.
إن الكرامات والخوارق التي تواترت عن مار شربل – سواء في حياته أو بعد مماته – لا تُعد مجرد أحداث خارقة للطبيعة، بل هي ثمار منطقية ومحتّمة لحياة كرّسها للإخلاص المطلق، وهي تتقاطع بشكل مذهل مع سير العديد من المتصوفة المسلمين، مما يفتح الباب أمام مقاربة صوفية جامعة للتجربة الروحية الصادقة.
تعتمد المقاربة الصوفية على ركنين أساسيين في حياة القديس مار شربل:
أ. حياة العزلة والتقشف (الزهد والخلوة)
قضاء مار شربل لعقود في المحبسة يوازي مفهوم الخلوة أو الاعتزال لدى المتصوفة، حيث الهدف هو تفريغ القلب من شواغل الدنيا وإملاءه بالذكر والتأمل الإلهي. لقد مارس مار شربل تقشفات صارمة:
– الصمت المطلق: عاش سنواته في صمت شبه تام، وهي ممارسة تُعرف لدى المتصوفة بـ “الصمت” كأحد المقامات الأساسية لتطهير اللسان والقلب.
– الطاعة والتواضع: عاش في طاعة كاملة لرؤسائه الرهبانيين، حتى في أصغر الأمور، مما يعكس مفهوم “الفناء في الشيخ” أو “تزكية النفس” عبر كسر كبريائها.
– العمل اليدوي (الكسْب الحلال): عمل في الحقل وتعبّد بالصلاة، محققاً بذلك التوازن بين العبادة والجهد، وهو ما كان يؤكد عليه كبار الصوفية كالحارث المحاسبي.
ب. الانعكاس الروحي (الكرامات)
الكرامات، التي تظهر كخوارق للطبيعة، هي من المنظور الصوفي ليست غاية بحد ذاتها، بل أثر يترتب على نقاء النفس وقربها من خالقها. ومن أهم الكرامات المتواترة عن مار شربل:
– نور المحبسة: الشهادات حول رؤية نور ساطع يخرج من المحبسة أثناء صلاته، وهو ما يذكر بـ “تجليات الأنوار” و”نور القلب” التي يتحدث عنها الصوفية بعد قطعهم المراحل الروحية.
– رشح الجسد: ظاهرة رشح “المُصَلّ الدموي” من جسده السليم بعد وفاته لسنوات طويلة، وهي ظاهرة عجيبة تُفسَّر روحياً كدليل على عظمة توحده مع الله وقبول حياته التقشفية، مما يجعله أشبه بـ “قطب” أو “ولي” خالص.
إن القراءة الصوفية لسيرة مار شربل تبرز أوجه تطابق لافتة مع سير العارفين والمتصوفة في الإسلام، مما يدعم فكرة وحدة التجربة الإخلاصية بغض النظر عن الشريعة المتبعة.
إن ما يميز سيرة مار شربل والعديد من المتصوفة المسلمين هو أن كراماتهم لم تُبنَ على ادعاء أو سعي للخوارق، بل هي نتيجة عرضية وانعكاس طبيعي لحياة قضيت في التجرد المطلق والإخلاص التام لله.
هذا التطابق المذهل بين سيرة القديس المسيحي وسير الأولياء المسلمين يثبت حقيقة روحية عميقة: التجربة الروحية الصادقة المخلصة – تلك التي تهدف إلى تجرد القلب والفناء في محبة الخالق – لا بد وأن تقود صاحبها إلى مستويات عليا من القرب الإلهي. هذا القرب هو ما ينعكس عليه في سلوكه اليومي (بالطاعة والتواضع والزهد) وفي خوارقه (بالكرامات والبركات)، مؤكداً بذلك أن لغة الروحانية الحقة لغة واحدة تتجاوز حدود الشرائع، وتلتقي عند نقطة واحدة: الإخلاص والمحبة الإلهية المطلقة.
