
لماذا يدفع المتميزون، وخاصة النساء منهم، هذا الثمن الباهظ؟ إن الإجابة تكمن في تركيبة الإنسان الاجتماعية والنفسية، حيث يصبح التفوق الاستثنائي تهديدًا وجوديًا للسلطات الراسخة، سواء كانت سلطة دينية، سياسية، أو معرفية ذكورية.
1. “الاقتصاد النفسي” للسلطة الغاشمة
العدوان على المتميزين غالبًا ما يكون مدفوعًا بما يمكن تسميته بـ “الاقتصاد النفسي” للسلطة. فالإنسان، وخاصةً صاحب النفوذ، يرى السلطة والجاه والثروة كـ “كعكة” محدودة؛ يجب أن يستحوذ عليها كاملة أو أن يضمن أكبر حصة منها.
* التحدي المحتمل: عندما تظهر شخصية استثنائية (مثل هيباتيا العقلانية، أو كاثرين الفصيحة، أو جان دارك القائدة)، فإنها تمثل مصدرًا جديدًا وفعّالًا للشرعية والتأثير.
* الخطر الوجودي: هذا التحدي يُترجم لدى السلطة الغاشمة إلى خطر محتمل على مكانتها. إذا تمكنت كاثرين من إقناع الفلاسفة، فستُفقد السلطة الدينية أو السياسية مصداقيتها. إذا نجحت هيباتيا، فسيتم تقويض الهيمنة الذكورية على مؤسسات المعرفة.
* مبدأ التحييد: الحل الأسهل والأكثر جذرية لضمان استمرار “الكعكة” هو التحييد الكامل لمصدر الخطر. هذا التحييد يأخذ شكل الاغتيال الجسدي (هيباتيا)، أو الاستشهاد الديني (كاثرين)، أو الاغتيال المعنوي (تأثير ماتيلدا).
2. الخوف من “الأنثى المتجاوزة للحدود”
في المجتمعات ذات الأطر الأبوية الصارمة، يُعدّ تفوق المرأة في المجالات المعرفية أو القيادية تجاوزًا للحدود (Transgression) المرسومة لها اجتماعيًا.
* الغيرة المعرفية: في حالة العالمات مثل هيباتيا وكاثرين، كان الحقد ليس على الإيمان أو الرأي بقدر ما كان على قوة العقل التي برزت من “المكان الخطأ”. هذه الغيرة تجعل رفض مساهماتهن (كما في حالة ماتيلدا) أسهل نفسيًّا من الاعتراف بتفوقهن.
* كسر القالب: عندما تتولى امرأة دورًا “ذكوريًا” (القيادة العسكرية لـ جان دارك، أو الإفتاء الصوفي لـ رابعة العدوية)، فإنها لا تهدد شخصًا بعينه، بل تهدد النظام الاجتماعي بأكمله وتوازنه المُعتاد، مما يحفز المجتمع للدفاع عن “النظام” باضطهادها.
3. التبرير الأخلاقي للعدوان (Rationalization)
لتبرير هذا العدوان الظالم، تلجأ السلطة الغاشمة أو الجمهور إلى التبرير الأخلاقي أو العقائدي. نادراً ما يتم الاعتراف بأن سبب الاضطهاد هو مجرد الغيرة أو الخوف من فقدان هذه السلطة.
* تحويل الخطر: يتم تحويل التحدي المعرفي (تفوق هيباتيا في الرياضيات) إلى خطر أخلاقي أو عقائدي (الهرطقة أو الكفر)؛ ليصبح قتلها واجبًا، لا جريمة.
* التاريخ المشوه: في حالة “تأثير ماتيلدا”، يتم تبرير سرقة الجهد بالقول إن المرأة “غير مناسبة” للمجال العلمي، أو أن مساهمتها كانت “هامشية”، مما يضمن استمرار إقصائها بشكل منهجي.
إن مأساة هؤلاء النسوة الاستثنائيات هي تذكير دائم بأن التمييز المعرفي والاجتماعي ليس مجرد خطأ عارض، بل هو آلية دفاعية عريقة وراسخة تستخدمها السلطة الغاشمة للحفاظ على توازنها الداخلي الهش، حتى لو كان الثمن هو إزهاق العبقرية.
