
لطالما كان التميز الاستثنائي سيفًا ذا حدين في تاريخ البشرية، خاصةً عندما يتجلى في نساء يكسرن الحواجز المعرفية والاجتماعية. لقد دفع العباقرة والمبدعون، رجالًا ونساءً، ثمن تفوقهم غاليًا، غير أن ما تعرضت له النساء اللامعات يضيف بعدًا مريرًا يتمثل في التمييز على أساس النوع، وهو ما نراه يتجسد في مأساة ثلاث شخصيات خالدة من الإسكندرية، وصولاً إلى مفهوم حديث يصف هذه المأساة: تأثير ماتيلدا.
تبدأ هذه السلسلة في مدينة الإسكندرية العظيمة، حيث ازدهرت اثنتان من ألمع النساء في التاريخ، لتجدا نفسيهما ضحيةً لغيرة وحقد السلطة والجمهور على حد سواء:
* هيباتيا (Hypatia): في القرن الرابع الميلادي، لم تكن هيباتيا مجرد فيلسوفة أو عالمة فلك ورياضيات، بل كانت سلطة معرفية بحد ذاتها. قدرتها الاستثنائية على التدريس والتفكير المنطقي جعلتها محط إعجاب النخبة والمجتمع، لكنها أيضًا جعلتها هدفًا للحقد الديني والسياسي. كانت مأساتها، المتمثلة في نهايتها العنيفة والمروعة، تجسيدًا للعدوان على كل من يمثل تحديًا فكريًا للسلطة القائمة، وتذكيرًا بأن العقل المستنير للمرأة يهدد الهيمنة الذكورية على المعرفة.
* القديسة كاثرين الإسكندرانية: بعد هيباتيا بقرن من الزمان، نجد القديسة كاثرين (الشهيدة) التي كانت رمزًا آخر للتفوق المعرفي في الإسكندرية. لم تكن قوتها تكمن في قصة كراماتها الروحية فحسب، بل في حكمتها وذكائها الراجح الذي أهلها لدراسة اللاهوت والفلسفة. لقد تجلت قابليتها الاستثنائية في قدرتها على إفحام وإقناع أشهر فلاسفة الإمبراطورية في مناظرة علنية. هذا الانتصار الفكري لم يكن ليُغتفر، فكانت نهايتها مأساوية بقرار من السلطة التي استعظمت أن تكون امرأة هي التي تقوّض أساسات معتقداتها. إن ما تعرضت له، وإن كان مُغلّفًا بالاضطهاد الديني، يذكر بـ التمييز المعرفي ضد المرأة العالِمة التي تتفوق بمنطقها وذكائها.
تتكرر هذه المأساة في صور أخرى، حيث يكون الاضطهاد موجّهًا نحو قوة التأثير بدلاً من قوة العقل المجرد:
* جان دارك (Joan of Arc): كانت محنتها نابعة من قدرتها الكاريزمية والاستثنائية على توحيد إرادة الأمة الفرنسية وصنع المعجزات العسكرية. لم يكن الحقد عليها فقط لكونها امرأة تقود جيوشًا، بل لكونها مصدر خطر سياسي يهدد سلطة المحتل.
* رابعة العدوية: في التراث الصوفي، مثلت رابعة العدوية سلطة روحانية ومعرفية ربانية خالصة. استعظم منافسوها الذكور، الذين كانوا يرون أن الحظوة والسلطة يجب أن تكون حكرًا على الرجال، أن تنال هذه العالمة مكانة رفيعة عند البسطاء والفقراء والباحثين عن الحقيقة.
إن النظرة الحديثة لما حدث لهؤلاء النسوة تجد اسمها في مصطلح صاغته العالمة الأمريكية ماتيلدا جوسلين غيج (Matilda Joslyn Gage). فقد كانت هي أول من رصدت ووصف هذا النمط من الإجحاف الذي يلاحق النساء المبدعات.
“تأثير ماتيلدا” هو الاسم الذي يصف اليوم القمع المنهجي والإنكار الصريح لمساهمات النساء العالمات، حيث يُنسب عملهن لزملائهن الذكور. إن مأساة ماتيلدا، التي رأت ثمرة جهدها تُنسب للآخرين، هي امتداد معاصر لما حدث لهيباتيا وكاثرين:
* هيباتيا وكاثرين: اغتيلتا فعليًا بسبب تفوقهما المعرفي.
* النساء العالمات في العصر الحديث (تأثير ماتيلدا): يتم اغتيالهن معنويًا وعلميًا بسلب حقهن في الاعتراف والتقدير الوظيفي.
ما يجمع بين هؤلاء النساء ليس مجرد القدرة الاستثنائية، بل هو الثمن الباهظ الذي دفعنه. إن المأساة التي تعرض لها المبدعون والمتميزون على مر التاريخ، رجالًا كانوا أم نساء، تذكرنا بطبيعة في الإنسان تجعله ميالًا للعدوان على كل من يرى فيه تحديًا محتملًا لسلطته التي توهمه نفسه بأنه لن يتمتع بثروتها وجاهها إلا بعد تحييد كل مصدر لهذا الخطر المحتمل.
وفي النهاية، يبقى كفاح المرأة العالمة في الغرب والشرق مستمرًا، ليس فقط من أجل الاكتشاف، ولكن من أجل الاعتراف بأن الذكاء لا يعرف نوعًا، وأن العبقرية يجب أن يُحتفى بها، لا أن تُضطهد أو تُنسب لغير أهلها.
