رحلة الكلمات من جزيرة العرب إلى أوروبا…تأثيل عربي لجذور المعرفة والسكون

لم تكن اللغة في يومٍ من الأيام مجرد أداةٍ للتعبير عن الحاجات، بل كانت ذاكرةً حيةً لحركة الإنسان عبر الجغرافيا والتاريخ. فالكلمات تحمل في بنيتها أصوات الرحلة، وآثار التحول، وصدى البيئات التي عبرتها. وإذا كانت المدرسة الهندو–أوروبية قد نجحت في رسم خريطةٍ افتراضية لتفرّع اللغات الأوروبية، فإنّ ثمة مسارًا آخر ظلّ بعيدًا عن الضوء، يُفضي إلى الجنوب، إلى جزيرة العرب، حيث يُمكن تلمّس جذورٍ أقدم لكثير من المفردات الأوروبية المركزية.
تتخذ هذه المقالة ثلاث كلمات نموذجًا — know الإنكليزية، savoir الفرنسية، وruhig الألمانية — لتبيّن أن هذه المفردات، على تباينها الظاهر، تشترك في أصلٍ عربيٍّ جامع هو الذاكرة العربية.

الجذر العربي للكلمة الإنجليزية Know

الكلمة الإنكليزية know، بما فيها من تفرّعاتٍ أوروبية مثل الألمانية kennen، والإغريقية gnosis، واللاتينية (g)noscere، والسنسكريتية jnana، طالما أُرجعت إلى الجذر الهندو–أوروبي ǵnō- بمعنى يعرف أو يدرك.
غير أنّ القراءة المقارنة تُظهر أن هذا الجذر ذاته ليس إلا تنويعًا صوتيًا ودلاليًا للجذر العربي القديم كنى، الذي لا يزال محفوظًا في العربية الفصيحة في كلمات مثل:
كُنية: الاسم الذي يُعرَف به المرء من بعد أن يُعرف.
مُكنّى: من نُسب إليه اسم يدل على معرفةٍ أو علاقةٍ دلالية بشيءٍ آخر.
كِناية: تعبير يُستعمل للدلالة على معنى غير مباشر، أي معرفة من بعد معرفة.
وهكذا يتبين أن know، في أصلها، تحافظ على البنية المعنوية ذاتها: “الانتقال من الخفاء إلى التعريف”، من المجهول إلى المعلوم. فالمعرفة، في جوهرها، هي فعلُ تَكْنِيَةٍ: أن تُعرّف شيئًا عبر وسيطٍ رمزي أو لغوي.
وبذلك، يكون الجذر kn– / gn– في اللغات الأوروبية، ليس إلا امتدادًا طبيعيًا للجذر كنى العربي، الذي عبر من الجزيرة العربية إلى الشمال، متحولًا تدريجيًا بفعل الظواهر الصوتية من كافٍ إلى جيمٍ لينةٍ أو نونٍ مزيدة، حتى غدت know الإنكليزية وkennen الألمانية، توأمين لغويين لكلمةٍ عربيةٍ واحدةٍ هي كنى.

الجذر العربي للكلمة الفرنسية Savoir

الكلمة الفرنسية savoir تُرجعها الدراسات الكلاسيكية إلى اللاتينية sapere بمعنى “يذوق” أو “يعرف بالتجربة”، وهي منبع كلمات مثل sapientia (الحكمة) وsapor (الطعم).
غير أنّ القراءة المقارنة مع العربية تكشف عن أصلٍ أعمق هو الفعل عرف، الذي يجمع بين الإدراك الحسي والمعنوي معًا، إذ إنّ “العُرف” في العربية هو ما يُشمّ ويُعرف بالرائحة، أي ما يُدرك بالحاسة، كما يُدرك “المعروف” بالعقل.
وعند تتبع التحول الصوتي عبر الزمن، يُلاحظ أنّ كلمة عرف خففت فيها العين إلى ألف (ʿ → a)، ثم تبادلت الفاء والراء موضعيهما (metathesis)، لتصبح أرف → أفر → سَفر / سَبر بعد إضافة السين الابتدائية، وهي ظاهرة معروفة في اللغات الأوروبية.
ومن هذه المرحلة الوسيطة — sabr / savr — تطورت الكلمة إلى savoir الفرنسية الحالية، مع احتفاظها بمعنى الإدراك الذوقي والعقلي معًا.
إذن، فـsavoir ليست امتدادًا لاتينيًا فحسب، بل هي استمرارٌ لمسارٍ لغوي أقدم، بدأ في الجنوب العربي حيث عرف كانت تعني أن تدرك الشيء بحاسةٍ أو بعقل، ثم انتقلت شمالًا لتتخذ شكلها الأوروبي الحديث.

الجذر العربي للكلمة الألمانية Rühig

أما الكلمة الألمانية ruhig، التي تعني “هادئ” أو “ساكن”، فهي تُنسب عادةً إلى الجذر الجرماني rō- بمعنى “راحة” أو “سكينة”، وهو أصل كلماتٍ مثل Ruhe الألمانية وrest الإنكليزية وrust الهولندية.
غير أنّ هذا الجذر يكشف، من منظورٍ سامي، عن صلةٍ وثيقةٍ بالكلمة العربية رَهْوًا، التي تفيد السكون والهدوء، كما في قوله تعالى:
{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24]
فـ”رَهْوًا” بمعنى ساكنًا هادئًا منبسطًا، وهي بدورها مشتقة من الجذر راح / راحة / روح الذي يجمع بين الهدوء والسكينة والراحة النفسية.
وعند مقارنة rō- الجرمانية بـ”رَهْو / روح”، يتضح التشابه الصوتي بين الراء والهاء المضمومة (rō ↔ rū / roh)، كما يتطابق المعنى بين “السكون” و”الراحة”.
ومن هنا، يمكن القول إن ruhig الألمانية ليست إلا صورة أوروبية متحوّلة من المفهوم العربي ذاته، الذي يجمع بين الروح والراحة والسكون في أصلٍ واحد.
تكشف هذه المقارنات عن نسقٍ لغوي عميقٍ يوحد بين اللغات الأوروبية والعربية في جذور ثلاثية تُعنى بالمعرفة والسكون.
هذا التشابك ليس مصادفة صوتية، بل أثرٌ من آثار مسارٍ قديمٍ للانتشار اللغوي تحرّك من الجنوب إلى الشمال، من جزيرة العرب إلى أوروبا، حاملاً معه مفاهيمَ إنسانيةً أساسية: المعرفة، والتمييز، والراحة.
حين نتأمل هذه الجذور الثلاثة، ندرك أننا لا نقف أمام مجرد تقاربٍ صوتي، بل أمام خريطةٍ لغويةٍ لم تُرسم بعد بالكامل. فالكلمة ليست نتاجَ بيئةٍ فحسب، بل شاهدٌ على رحلةِ الإنسان ذاته في سعيه إلى أن يعرف، وأن يُعرِّف، ثم أن يستريح من عناء المعرفة.
إنّ تتبع أثر كنى وعرف ورهواً في اللغات الأوروبية لا يقدّم بديلًا عن الدراسات الهندو–أوروبية بقدر ما يكملها، إذ يردّ بعضًا من أصولها إلى منبعٍ عربيٍّ أقدم، منه انبثقت أولى الأصوات التي نطقت بالمعرفة والسكون.

أضف تعليق