قداسةُ قوانينِ الكون من قداسةِ القرآنِ العظيم

التناقض سمةٌ غالبةٌ على تفكيرِ الإنسان، وهو داءٌ عضال تلطَّف حتى استخفى على الإدراك. فكثيرٌ من المفكرين لا يدركون أنهم يناقضون أنفسَهم بأنفسِهم حين يدعون إلى تبنِّي موقفٍ ما بشأنِ هذا السياق أو ذاك، وهم في ذات الوقتِ يحجمون عن الالتزامِ بهذه الدعوة حين يتعلقُ الأمرُ بسياقٍ آخر.
وخير مثال على هذا التناقضِ الخفي هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ دعوةِ بعضِ الحداثيين إلى إعادةِ فهمِ النَّصِّ القرآني وبما يتوافق مع ضروراتِ ومقتضياتِ العصر. والمقصود بـ “إعادةِ فهمِ النَّص القرآني”، عند هؤلاء، هو تقديم تفسيرٍ جديد لهذا النَّص يجعلُه أكثرَ تناغماً وانسجاماً مع روح العصر حتى وإن أدى ذلك إلى تعارضِ هذا “الفهم الجديد” مع النَّصِّ القرآني، الذي سيبذلون كلَّ ما في وسعِهم لإقناعِنا بأنه سيبقى على حالِه من القداسة. ولكن هل تؤدي بنا هذه “المناورةُ الفكرية” إلى غيرِ الوقوعِ في تناقضٍ قوامه الإيمانُ بنَصٍّ قرآني مقدس في ذاتِ الوقتِ الذي نحكِّم فيه فهماً جديداً، حتى ولو كان مغايراً للمحمولِ الدلالي الذي ينطوي عليه هذا النَّص؟
بإمكانِنا أن نتوجَّه لهذا النفر من الحداثيين بالسؤالِ التالي: “لماذا تقتصر دعوتُكم على تبنِّي مفهومٍ جديدٍ للنَّصِّ القرآني يتوافق مع متغيراتِ العصر، ولا تدعون إلى إعادةِ فهم قوانينِ الفيزياء، على سبيلِ المثال، حتى تكونَ أكثرَ ملائمةً لروحِ العصر هي الأخرى؟”. فإذا كانت قوانينُ الفيزياء متعاليةً على الزمانِ والمكان، محكومةً بقانونِ اللاتغايرية (Invariance)، فلماذا لا يكون النَّص القرآني متعالياً على الزمانِ والمكان هو الآخر، فلا يحتاجُ والحال هذه لأن يُعادَ فهمُه حتى يكونَ متوافقاً مع ضروراتِ العصر؟

أضف تعليق