
منذ اللحظة التي خرج فيها الإنسان من دائرة الطبيعة إلى فضاء الثقافة، لم يعد يتصرّف وفق ما تُمليه عليه قوانين البقاء العضوية أو التوازن البيئي، بل وفق تصورات رمزية وقيمية ابتدعتها ذاته المتضخّمة. فبينما تدرك الكائنات الأخرى حدّها الطبيعي، وتكتفي بما تكسبه بجهدها الغريزي المشروع، تجاوز الإنسان هذا الحد حين أطلق لنفسه الحق في الادعاء بالاستحقاق المطلق. صار يرى أن من واجبه أن يُمنح، لا أن يعمل ليُمنح؛ وأن من الطبيعي أن تُلبَّى رغباته لمجرد كونها رغبات إنسان.
هذا الوهم بالاستحقاق (Entitlement) ليس سوى نتاج مباشر للوعي الذاتي الذي تحوّل من وعيٍ بالحدود إلى وعيٍ بالامتياز. فالإنسان، إذ أدرك نفسه كـ”أنا” مستقلة، لم يكتفِ بهذا الإدراك، بل جعله أساسًا لمطالبة كل ما حوله بالاعتراف به وتلبية حاجاته. إنّه وعيٌ لم يكتمل نضجه الأخلاقي، لأنه لم يرافقه وعيٌ بالمسؤولية. ولذلك أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يقول: أنا أستحق، حتى حين لم يبذل ما يجعل هذا الاستحقاق مشروعًا.
يظهر هذا الوهم بأوضح صوره في علاقة الإنسان بالحب. فالإنسان المعاصر يطالب أن يُحب، وأن يجد من يحبه بلا قيد أو شرط، متناسيًا أن الحب ليس حقًّا مكتسبًا، بل استحقاقٌ يُنال ببذلٍ وجداني، بتواضعٍ أخلاقي، وبحضورٍ إنساني ناضج. فأن يظنّ المرء أنه يُستحق الحب لمجرد كونه موجودًا، دون أن يسعى لأن يكون جديرًا به، هو عين المفارقة بين الإنسان والحيوان؛ فالحيوان لا “يطالب” بالحب، بل يعيش تفاعله الغريزي ضمن توازن الطبيعة، أما الإنسان فيحوّل الحب إلى حقٍّ قانوني رمزي يطالب به كما يطالب بالهواء والماء.
تجلّي هذه المفارقة لا يقف عند الحب، بل يمتد إلى مجالات أوسع من الوجود الإنساني. فالمجتمعات الحديثة مفعمة بأفراد يبرّرون لأنفسهم امتلاك ما لم يزرعوه، والتمتع بما لم يُنتجوه، والانتماء لما لم يبذلوا جهدًا لبنائه. ولأن الإنسان المعاصر بات أسيرًا للغة التبرير، فإنه يجد دائمًا “سببًا وجيهًا” يبرر له الاستحقاق: كونه مظلومًا، أو مختلفًا، أو موهوبًا بالقوة لا بالفعل. هذه الثقافة التبريرية هي ما يجعل الإنسان المعاصر يبتعد أكثر عن القوانين الصارمة للطبيعة، التي لا تعرف الاستحقاق إلا بمعيار الفعل.
في مقابل ذلك، يبدو الحيوان أكثر عقلانية من الإنسان في انضباطه الطبيعي. فهو لا يطلب طعامًا لم يَصِده، ولا يستولي على مكان لم يَدافع عنه. إنّ الحيوان يعرف، من غير لغةٍ ولا فلسفة، أن الحق يُستحق بالفعل لا بالادعاء. أما الإنسان فقد أفسده وعيه حين أوهمه بأنه يملك الحق في أن يُطالب لا أن يعمل، وأن يُستجاب له لا أن يسعى.
مفارقة الاستحقاق الإنساني هي إذًا أحد أبرز مؤشرات خروجه عن نظام الطبيعة. فحين أصبح الإنسان كائنًا يُطالب، لا كائنًا يُجاهد، انقطع عن قانون التطور نفسه الذي كان أساس وجوده. إنّ هذا الانقطاع هو ما يجعل الإنسان يعيش في حالة اغتراب دائمة عن ذاته، وعن الآخرين، وعن الكون الذي لم يعُد يراه إلا بوصفه وسيطًا لتلبية رغباته. وهكذا، لم يخلعه الله من الجنة فقط، بل خلع نفسه من الطبيعة، حين اعتقد أنّه “يستحقّ” أن يكون فوقها.
