من خيانة الوصايا الأدبية إلى صيانة النص الديني… استخلاص منهجي من ميلان كونديرا

قدّم الفيلسوف التشيكي ميلان كونديرا في كتابه “الوصايا المغدورة” (Testaments Betrayed) دفاعًا مستميتًا عن حصانة العمل الفني، محذرًا من خطر “خيانة” الإرث الأدبي العظيم. لم يكن نقد كونديرا موجهًا للنقد الأدبي فحسب، بل كان إدانة للطرق التي تختزل بها الأيديولوجيات والأحكام الأخلاقية المتغيرة الأعمال الخالدة إلى رسائل ضيقة أو سيَر ذاتية بسيطة، مجردة إياها من تعقيدها الوجودي الأصلي. إن هذا الدفاع المحكم عن النص الأدبي الأصيل، المتمثل في مطالبة كونديرا بـ “احترام نوتة” العمل الأدبي كما يفعل الموسيقي الذي يجلّ مقطوعة الفوجة، يفتح الباب أمام استخلاص خطة منهجية للتعامل المعرفي السليم مع النص الديني، وفي مقدمته النص القرآني.
يُعرّف كونديرا الخيانة الفنية بأنها فقدان الروح الأصلية للنص، وهو ما يتم عبر آليتين رئيسيتين:
– الاختزال والتبسيط: وهو تحويل عمل متعدد الأصوات (Polyphony) إلى صوت واحد أحادي ضيق، كما يحدث عند اختزال رواية كافكا إلى مجرد رؤى لحالة نفسية معذبة.
– التكييف العبثي: وهو محاولة تطويع العمل الفني ليتناسب مع أذواق العصر أو متطلباته السياسية، كـ”ترجمة” تفقد النص جماله وروح فكاهته.
إن إسقاط هذا التحليل على النص الديني يضعنا أمام السؤال: أليس أخطر أشكال “الخيانة” المعرفية للنص الديني هو التعامل معه كأي نص بشري قابل للتفكيك وإعادة التكوين بحسب متطلبات اللحظة الراهنة؟
إن الدعوات المعاصرة لفهم “مواكب” للقرآن يتناغم مع “متغيرات العصر”، دون تمييز بين جوهر الرسالة التعبدية الخالدة والمحددات الاجتماعية المتغيرة، تقع في فخ الاختزال والتكييف الذي حذر منه كونديرا. فإذا كان النص القرآني يمتاز بكونه نصًا دينيًا ذا رسالة تتسامى على العصور، تقوم على أركان تعبدية وإنسانية ثابتة، فإن محاولة “عصرنته” تؤدي إلى إغفال هذه الحقيقة الجوهرية، وتحوّله من رسالة متسامية إلى كتيب إرشادي مؤقت.
إن النتائج التي خلص إليها كونديرا تفرض علينا منهجاً معرفياً صارماً للتعامل مع النص الديني، يمكن تلخيصه في ثلاثة مبادئ أساسية:
1. الإقرار بتسامي الرسالة (التعالي على العصر)
يجب التفريق بين ما هو جوهر عبادي وإنساني خالد في النص الديني، وما هو إطار تشريعي أو تاريخي مرتبط بسياقه.
– خطيئة الخيانة: هي محاولة ليّ عنق النص ليتماشى مع قيم العصر المتغيرة (مثل بعض التفسيرات التي تحاول تبرير كل ما ورد في النص الديني بمنطق الحداثة العلمية)، مما يؤدي إلى تجريد النص من سلطته الرسالية التي يجب أن تكون هي المرجعية للحكم على العصر، وليس العكس.
– المطلب المعرفي: التعامل مع النص كرسالة تدعو الإنسان إلى اتباع منهاج تعبدي لا علاقة له بمتغيرات العصر في أسسه الكبرى.
2. احترام “النوتة” الأصلية للنص (النزاهة اللغوية)
كما طالب كونديرا باحترام البناء الهيكلي والتعدد الصوتي للرواية (كما في الفوجة)، يجب على مفسري ومترجمي النص الديني أن يلتزموا بـالحدود اللغوية والبلاغية الأصلية للنص.
– الخطر في التفسير والترجمة: هو الابتعاد بالمتلقي عن حدود النص الأصلي، حيث يصبح التفسير “نصًا آخر” يقطع صلته بالوحي. إن النزاهة المعرفية تقتضي أن تكون الترجمة والتفسير جسرًا شفافًا يعبر بالمتلقي إلى النص، لا أن يكونا حاجزًا كثيفًا يحجب رؤيته.
– المنهج الصائب: هو تفسير المعنى وترجمة التفسير تفسيرًا وترجمةً لا يُنتجان “نصوصًا بديلة”، بل تبقى وظيفتهما محصورة في إيضاح المراد الإلهي ضمن الإطار اللغوي والبياني للنص.
3. مقاومة الاختزال الأيديولوجي (التعقيد الوجودي)
أشار كونديرا إلى أن النقد الأيديولوجي يقتل الفن بتحويله إلى أداة سياسية أو اجتماعية. كذلك يجب مقاومة المقاربات التي تحوّل النص الديني إلى بيان سياسي حزبي أو مشروع اجتماعي مادي ضيق.
– النص كـ”تعدد وجودي”: النص الديني، كالأدب العظيم، يحتوي على أبعاد روحية، وأخلاقية، وتشريعية، وكونية. أي مقاربة أحادية (سواء كانت فقهية جافة، أو سياسية قاصرة، أو حداثية مُفرطة) هي في جوهرها خيانة لغنى النص وعمقه، وتنتج نصوصًا تفسيرية “لا علاقة لها على الإطلاق بالنصوص الأصلية”.
إذا كان كلام كونديرا يضطرنا إلى التعامل مع النصوص الأدبية العظمى بـحذر بالغ وإبقاء عليها، ما أمكننا ذلك، بصيغتها الأصلية، أفلا ينبغي علينا إذاً أن نُحسن التعامل مع النص الديني؟
إن حسن التعامل هذا لا يعني تجميد الفهم أو إلغاء العقل، بل هو فن قراءة متوازنة ترفض التفسيرات التي تحوّل النص الديني من رسالة إلهية تتحدى الزمن إلى منتج بشري يتطلب التكييف المستمر. إنه دعوة إلى الإجلال المعرفي الذي يضمن لـالوصايا الدينية البقاء على قيد الحياة، في مواجهة رياح العصور التي تسعى إلى “غدرها” واختزالها في نزواتها المتغيرة.

أضف تعليق