يُظهِر التأملُ المقارن بين عددٍ من الألفاظ الإنجليزية وبعض الجذور العربية القديمة مدى تشابك البنية الصوتية والدلالية للغات الأوروبية مع اللسان العربي القديم، الذي مثّل ــ على الأرجح ــ أحدَ منابعها البعيدة قبل تفرّع الأسر اللغوية الكبرى. ومن هذه الألفاظ أربع كلمات تُقدّم نموذجًا دالًا على هذا التشابك التاريخي وهي: Turf، Side، Odor، Reek.

الأصل العربي للكلمة الإنجليزية Turf

تُظهر كلمة Turf الإنجليزية، التي تعني “قطعة من الأرض المغطاة بالعشب” أو “رقعة محددة من التراب”، صلةً وثيقةً بالكلمة العربية طَرَف.
فـ الطَّرَف في العربية هو الحدّ الفاصل بين شيئين، أو منتهى الشيء وحدّه الأقصى، أو حتى النطاق الذي يُرسم به حدّ الملكية والمساحة. وكل هذه المعاني تلتقي مع الوظيفة الدلالية الأصلية لـ Turf، التي تشير إلى رقعة من الأرض تُعرَّف بحدودها.
أما من الناحية الصوتية، فالتقارب بين Turf وطرف جليّ:
تحوّل الطاء إلى t، والراء بقيت على حالها r، والفاء تحوّلت إلى f. وهذا التماثل الصوتي-الدلالي يدعم فرضية الأصل العربي للكلمة، التي عبرت إلى اللغات الجرمانية ثم الإنكليزية مع الاحتفاظ ببنيتها الصوتية الأساسية.

الأصل العربي للكلمة  الإنجليزية Side

أما كلمة Side الإنجليزية، التي تعني “جانب” أو “ناحية”، فهي تقابل في العربية كلمة حدّ، وبإحدى تنويعاتها البدوية القديمة حدا، التي ما زالت مستخدمة حتى اليوم في لهجات البدو بمعنى جانب أو إلى جوار، كما في قولهم “حداه” أي بجانبه.
ومن الناحية الصوتية، يظهر أن الحرف ح العربي تحوّل إلى S (وهو تحوّل مألوف في المراحل الصوتية بين اللغات السامية والجرمانية)، بينما بقي حرف الدال على حاله d، لتنتج البنية الجديدة Side.
والمعنى واحد في الحالتين: كلاهما يشير إلى الجانب أو الحدّ الفاصل بين كيانين.

الأصل العربي للكلمة الإنجليزية Odor

الكلمة اللاتينية Odor، التي انتقلت إلى الإنجليزية بمعنى “رائحة”، تردّ في أصلها إلى الجذر العربي عطر.
فالتقارب الصوتي واضح:
حُوِّل الحرف الحلقي ع إلى صوتٍ لينٍ هو O، وخُفِّف حرف الطاء إلى D، بينما بقيت R كما هي.
أما دلاليًا، فـ “العِطر” في العربية هو الرائحة الطيبة أساسًا، لكنه قد يُستعمل أحيانًا بمعنى الرائحة عمومًا، كما هو حال Odor في اللاتينية التي كانت تشمل الطيب والكريه معًا. وهذا الاتساع الدلالي يعكس انتقال الكلمة وتحوّل استعمالها لاختلاف الذائقة الثقافية أكثر منه تطورًا دلاليًا صرفًا.
الأصل العربي للكلمة الإنجليزية Reek

الكلمتان الجرمانيتان Reek (الإنجليزية) وRauch (الألمانية) تتشاركان الأصل العربي ذاته ريح، الذي يعني الهواء المتحرّك وما يحمله من روائح.
لقد طرأ على الجذر أثناء رحلته الصوتية من العربية إلى الجرمانية تغيّر في حرف الحاء ليصبح k / ch، بينما بقيت الراء والياء على حالهما تقريبًا (r / ee / au).
أما من حيث المعنى، فقد توسّعت الدلالة من الريح والرائحة عمومًا إلى الدخان والرائحة النفاذة أو الكريهة، وهو تحوّل طبيعي في المعنى مع تبدّل البيئات والمجالات الاستعمالية.
إن هذا التشابه الصوتي والدلالي بين الألفاظ الإنجليزية والعربية لا يمكن أن يُفسَّر دائمًا على أنه مجرّد صدفة صوتية. فحين تتكرّر مثل هذه الحالات عبر مجموعات متعددة من المفردات، وتحتفظ بالمنطق الدلالي ذاته، يصبح من المشروع إعادة النظر في المسار التأثيلي التقليدي الذي يردّ هذه المفردات إلى المجال الهندو-أوروبي حصراً.
ولعلّ الأرجح أن هذه الكلمات الأوروبية قد انطلقت من المجال العربي الجنوبي والشرقي قبل أن تعبر إلى المراكز اللغوية الجرمانية واللاتينية في رحلتها الطويلة نحو أوروبا. إن تتبّع هذه الآثار لا يقدّم لنا مجرد بحث في الأصول اللسانية، بل يعيد رسم خرائط التفاعل الحضاري واللغوي بين جزيرة العرب وأوروبا قبل آلاف السنين.

أضف تعليق