
لطالما كان الإنسان، بحكم فطرته وتكوينه، يقارب العالم من حوله من خلال مرآة الذات البشرية. إنها نزعة فطرية وغير مكتسبة تُعرف بـ الأنثروبومورفية، حيث تُسبغ على الوجود، بكل ما يحويه من جماد وكائنات غير بشرية وقوى كونية، صفات بشرية خالصة: خصال، ونَزعات، وميول، ومخاوف، ورغبات. هذه الصفات، التي لا يمكن لها بحكم التعريف والتكوين أن تكون جزءًا من كيانات غير بشرية، تصبح عدسة الإنسان التي يرى بها ويفهم من خلالها الكون.
إنّ كتب التاريخ تشهد على أن هذه النزعة ليست وليدة العصر، بل هي متأصلة في عمق التجربة الإنسانية. الأمثلة على هذا “التجسيد البشري” للوجود ليست باليسيرة إحصاءً، بدءًا من مفاهيم الألوهية البدائية وصولًا إلى تفسير الظواهر الطبيعية.
كما تُقدِّم لنا إطلالة سريعة على ميثولوجيات الشعوب عبر العصور تنويعات مذهلة تترجم مدى تغلغل هذه النزعة في النفس البشرية. في الأساطير اليونانية والرومانية، نجد آلهة تُحاكِي البشر في غرائزهم وأهوائهم وصراعاتهم وغضبهم وغيرتهم، حيث يتمتعون بنقاط ضعف وقوة بشرية صارخة. لقد كانت هذه الآلهة، بجوهرها، إسقاطًا مكبَّرًا للنفس البشرية على سماء الغيب والقوة المطلقة. هذه الأمثلة الصادمة تكشف عن أن الأنثروبومورفية ليست مجرد طريقة لفهم العالم، بل هي آلية نفسية تجعل العالم المجهول أكثر ألفة وقابلية للتفسير، عبر تحويله إلى كائنات تشبهنا وتستجيب لمنطقنا.
ما يثبت تعالي هذه النزعة على الزمان والحضارة والثقافة والأعراق تجليها الواضح في واقعنا المعاصر؛ وتحديداً في عالَم الروبوتات. على الرغم من التطورات التكنولوجية الهائلة، لا يزال تصميم الروبوتات، منذ الروبوت الأول الذي ظهر قبل عقود، يعكس في غالب أمره هذه النزعة الأنثروبومورفية.
إن الإصرار على تصميم الروبوتات بأشكال مشابهة للبشر (Humanoid)، كاملة بملامح الوجه، وشكل الجسم، وطريقة الحركة، ليس مجرد خيار وظيفي بحت. فمن الناحية الهندسية، لا يُعد الشكل البشري دائمًا الأكثر كفاءة أو فاعلية لإنجاز المهام. بل إن هذا التقليد الشكلي هو انعكاس عميق لـ هوس الإنسان بذاته. نحن نسقط شكلنا على كيانات اصطناعية لنجعلها أقرب إلينا، وأكثر “ثقة” من منظورنا، وربما لتلبية حاجة لا واعية لوجود “آخر” مصطنع يحمل بصمتنا البيولوجية.
في النهاية، تظل الأنثروبومورفية دليلاً قاطعاً على أن الإنسان لا يستطيع الانفكاك عن منظوره الذاتي. إنه يرى الكون والروبوت والآلة والقوة المطلقة من خلال نافذة واحدة: النفس البشرية. وهي نزعة، بقدر ما كانت أداة لفهم المجهول في العصور القديمة، أصبحت اليوم دليلاً على أننا نسعى لـ بشْرنة المستقبل قبل أن نفهمه.
