
منذ بدايات الفكر البشري، ظلّ السؤال عن العلاقة بين النص المقدّس والكون المخلوق سؤالًا يتردّد بصيغٍ شتّى: هل القوانين التي تحكم حركة الأفلاك، وانبثاق الضوء، وتوازن المادة، تخضع لمنطق القداسة ذاته الذي يحكم النص القرآني؟
إنَّ الجواب على هذا السؤال يقتضي تفكيك وهمٍ متجذّر في الوعي الحديث، مفاده أنّ القداسة حكرٌ على المجال الديني وحده، بينما القوانين الكونية مجرّدة من أيّ بُعد قيمي أو ميتافيزيقي. ومع أنّ العقل العلمي الحديث قد نزع القداسة عن الطبيعة، فإنّه في الوقت ذاته أضفى على قوانينها مسحةً من “الإطلاق”، أي من ثباتٍ فوق التاريخ والزمان، وهذا الثبات هو ذاته الذي يُعبَّر عنه في الخطاب القرآني بالقداسة.
تهدف هذه المقالة إلى بيان أنّ قداسة قوانين الكون ليست سوى انعكاس لقداسة النص القرآني، لأنّ كلاهما تعبير عن انتظامٍ إلهي واحد تجلّى في مستويين: مستوى الوجود (الكون) ومستوى المعنى (القرآن).
يتبدّى أحد أعمق مظاهر التناقض في الفكر الحداثي المعاصر في دعوته إلى إعادة تفسير النصوص الدينية لتتلاءم مع “روح العصر”، دون أن يجرؤ على اقتراح الشيء ذاته فيما يخصّ القوانين الفيزيائية أو الرياضية.
فالحداثي الذي يطالب بـ”قراءة جديدة للقرآن” باسم التطوّر التاريخي، لا يرى تناقضًا في أن يظلّ مخلصًا لقوانين نيوتن أو آينشتاين بوصفها حقائق “متجاوزة للزمن”. هذا الانتقائية المعرفية تكشف عن ازدواج في معيار القداسة: فبينما يُجَرَّد النص الإلهي من ثباته بحجّة التاريخية، تُمنح القوانين العلمية – وهي نتاج عقلٍ محدود – منزلة المطلق.
إنّ هذا الموقف يعكس أزمةً أعمق من مجرّد جدلٍ حول التأويل، إنها أزمة فهم لمفهوم الحقيقة نفسه؛ إذ لم يعد الإنسان الحديث يفرّق بين النسبي في وعيه والمطلق في أصل الوجود.
القوانين الكونية، كما أدركها العقل الفيزيائي، تعبّر عن انتظامٍ مطّرد لا يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان. فمبدأ اللاتغايرية (Invariance) يقرّر أنّ المعادلات الفيزيائية تظلّ صحيحة تحت أيّ تحويل زمني أو مكاني، ما يعني أنّها تنتمي إلى مستوى وجودٍ “خارج التاريخ”.
وهذا الثبات هو في جوهره معنى من معاني القداسة، إذ القداسة لا تعني “التحجير”، بل الامتناع عن الخضوع للنسبية البشرية.
ومن هذا المنظور، فإنّ الكون كلّه كتاب مفتوح يُتلى على الدوام، وكل ظاهرة طبيعية هي “آية” من آيات الله بقدر ما هي معادلة فيزيائية. وكما أن الإنسان لا يملك أن يبدّل قانون الجاذبية، كذلك لا يملك أن يبدّل معنى آية قرآنية لتناسب هوى عصره، لأن كلا القانونين – الفيزيائي والنصي – صادران من مصدرٍ واحدٍ هو العقل الكلي الإلهي.
إنّ ما يسمّيه القرآن بـ”السنن الإلهية” لا يقتصر على الظواهر المادية فحسب، بل يمتد إلى التاريخ والمجتمع والنفس. فهي قوانين كلية تضبط حركة الوجود كلّه، وتقوم مقام “الفيزياء العليا” التي تتجاوز الطبيعة إلى ما بعدها.
حين يقول الله تعالى:
(فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً) (فاطر: 43)،
فهو يؤكد أن انتظام الكون في قوانينه هو ذاته انتظام الوحي في دلالاته.
القرآن ليس خطابًا عرضيًا مشروطًا بزمن نزوله، بل نظامٌ دلاليٌّ مطلق يحكم العلاقة بين الإنسان والوجود كما تحكم الجاذبية العلاقة بين الأجسام.
وفي كلا النظامين، الإخلال بالثبات يقود إلى الفوضى: فكما أن العبث بقوانين الطبيعة يؤدي إلى انهيار المنظومات الفيزيائية، كذلك العبث بمعاني النص يقود إلى انهيار منظومة القيم والمعنى.
إنّ “قداسة القرآن” بهذا المعنى ليست خاصيّة لغوية أو عاطفية، بل خاصيّة قانونية أنطولوجية: إنّه يعبّر عن انتظام كوني بلغة البيان، كما تعبّر المعادلة الفيزيائية عن انتظامه بلغة الرموز. فكلتاهما – النص والمعادلة – تجسدان “نظام الخلق” في بعديه الظاهر والباطن.
من المنظور الفلسفي، يمكن تعريف القداسة بأنها صفة الوجود الذي يمتنع على التغيّر الذاتي. إنها خاصيّة الكينونة التي تتجاوز الزمان والمكان لأنها متصلة بالعلة الأولى.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى الكون والقرآن كـ”مستويين من التنزيل”:
الكون تنزيلٌ بالوجود (تنـزّل المكوَّنات من العدم إلى الكينونة).
والقرآن تنزيلٌ بالمعنى (تنـزّل الحقيقة إلى الوعي).
كلٌّ منهما إذن “آية” بلغةٍ مختلفة، وكلاهما يعكس انتظام العقل الإلهي في مستويين من التجلي.
وإذا كانت القوانين الفيزيائية تعبّر عن انتظام المادة، فإنّ القوانين القرآنية تعبّر عن انتظام الوعي؛ وإذا كان الأول يضبط حركة الأجسام، فإن الثاني يضبط حركة المعنى. وفي الحالتين، كل خروج عن القانون هو سقوط في العدم أو الفوضى.
بهذا الفهم، تغدو القداسة ليست حدًّا يفصل بين الدين والعلم، بل جسرًا أنطولوجيًا يربطهما بوحدة المصدر والمبدأ، ويكشف أن “الثابت” في كلاهما ليس نقيض “المتحوّل”، بل شرط إمكانه. فالثبات هو الإطار الذي يسمح بالتغيّر داخل حدود القانون، لا نفيه.
لقد نشأ الانفصال بين العلم والدين حين فُهمت القداسة بمعناها اللاهوتي الضيّق، أي كمجال محرّم على العقل، فهبّ العلم الحديث ليحرّر الطبيعة من “سحرها المقدّس”. لكن النتيجة كانت أن نُزعت القداسة من الكون ليُستبدل بها “عبادة القانون” ذاته، أي أن الإنسان قدّس العقل بدل الوحي.
غير أن مقاربة القداسة كـ”انتظام كوني” تُعيد الوحدة إلى المعرفة: فالقانون الفيزيائي لا يُلغى بالوحي، والوحي لا يُبطل العلم، لأن كليهما نابعان من نظام سببي واحد لا يعرف الانقسام.
إنّ العلم إذ يكتشف القوانين، فهو يقرأ “القرآن الصامت” للكون، كما أن المؤمن إذ يتدبّر القرآن، فهو يقرأ “الكون الناطق” بالمعنى.
في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ أزمة العصر ليست أزمة علم أو دين، بل أزمة فقدان المعنى الكوني للقداسة. لقد اختزل الإنسان الحديث القداسة في طقسٍ، والعلم في أداة، ففقد كلاهما روح التكامل. والحال أن استعادة هذه الروح تقتضي فهماً جديداً للوحي بوصفه جزءاً من نظام الوجود الكلي، لا نصاً موازياً له فحسب.
إنّ قداسة القوانين الكونية وقداسة القرآن العظيم وجهان لحقيقةٍ واحدة: انتظام الخلق في نظامٍ إلهي مطلق.
فكما لا تتبدّل قوانين الجاذبية، لا تتبدّل دلالات القرآن الجوهرية، لأن كلاهما تجلٍّ للعقل الإلهي الواحد في صورتين: مادية ومعنوية.
وبناءً عليه، فإنّ الدعوة إلى “تجديد فهم النص” لا تعني تبديل معناه، بل تجديد الوعي به بما يتناسب مع اتساع المعرفة، دون المساس بثبات بنيته القدسية.
إنّ الإنسان لا يملك أن “يُحدّث” كلام الله، تمامًا كما لا يستطيع أن “يُعدّل” سرعة الضوء، لأنهما صادران عن المصدر ذاته الذي قال:
“سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” (الأحزاب: 62).
وهكذا تتكشّف القداسة في صورتها الأنطولوجية الكبرى: انتظام الوجود في خطابٍ واحدٍ هو خطاب الحق، تتجلّى لغته في الآفاق والأنفس معًا.
فمن أنكر قداسة النص، فقد أنكر قداسة الكون، ومن أدرك ثبات قوانين الوجود، أدرك أن القرآن ليس مجرّد كتابٍ يُقرأ، بل المرآة الكلّية للعقل الكوني الذي به قام كلّ شيء.
