لماذا يُلازمُ التناقضُ تديُّنَ البعض؟

من سماتِ الإنسان التي تأبى أن تفارقَه عجزُه عن تبيُّنِ ما هو عليه من تناقضٍ بين ما يقول وما يفعل. وتتجلى هذه السِّمةُ تجلِّيها الأعظم في حالِ البعض مع اللهِ تعالى تناقضاً صارخاً بين ما يدعوهم إليه الدينُ الذي يظنون أنهم قد تديَّنوا به وبين ما يصدرُ عنهم من أقوالٍ أو أفعال، وذلك مصداقَ قولِ اللهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ( (2- 3 الصف). فأكبرُ المقتِ عند اللهِ تعالى إذاً هو هذا التناقضُ المتمثِّل فيما يشوب علاقةَ البعض من المتدينين ببعضهم البعض أو بالآخرين الذين لا يشاركونهم التديُّنَ بذاتِ الدين.
فكَم من متديِّنٍ يسمع كتابَ الله يأمرُه بكظمِ الغيظ، والعفو عن الناس، ومقابلةِ الإساءةِ بالإحسان، والصفح الجميل، وهو في المقابل لا يجد أيَّ غضاضة في أن يقابلَ الناسَ بوجهٍ عبوسٍ قمطرير، وألا يصدر عنه غيرَ خبيثِ القول وفاسده؟ وكم من متديِّنٍ يسمعُ كتابَ الله يحذِّرُه من كثيرٍ من الظن، وهو يسيءُ الظنَّ بأقربِ المقرَّبين إليه؟ وكم من متديِّنٍ يحفظُ القرآنَ ويتلوه صباحَ مساء، وهو لا يدري أنه ممن قال فيهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: “رُبَّ قارئٍ للقُرآنِ والقرآنُ يَلعَنُه”. وكم من متديِّنٍ يزكِّي نفسَه، ويحسنُ الظنَّ بها، لا لشيءٍ إلا لأن له باعاً طويلاً في قراءةِ كتبِ الدين، وله من المؤلفاتِ والمصنفات ما ليس باليسيرِ إحصاؤه، وهو لا يدري أنه ممن عناهم اللهُ تعالى بقولِه: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (من 32 النجم).
فإن لم يكن فيما تقدَّم أمثلةٌ على ما جُبِلت عليه النفسُ البشريةُ من التناقض، فكيف يكونُ التناقضُ إذاً؟
ولكن، لماذا يلازمُ التناقضُ تديُّنَ البعض؟
يجيبنا على هذا السؤال كتابُ الله الذي نقرأُ فيه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (23 الجاثية).

أضف تعليق