
لعلها إحدى أكثر المفارقات إيلامًا في التجربة الإنسانية: هوسنا المزمن بتصحيح الأخطاء بعد فوات الأوان. نعيش الحاضر بأعين سارحة، لا ترى في اللحظة الراهنة سوى انعكاس باهت للماضي أو جسر واهٍ نحو المستقبل، وحينما ينقضي هذا الحاضر ويتحول إلى ذكرى موشومة بندم، نبدأ سباقنا العبثي لإصلاحه.
إن السبب الجذري لهذا الندم المتكرر يكمن في طريقة تعاملنا مع اللحظة الراهنة. نحن لا نمنح هذه اللحظة حق قدرها؛ فهي تبدو لنا عادية، ممتدة، قابلة للتأجيل. نرتكب فيها الأخطاء، نتقاعس عن الأفعال المهمة، أو نندفع نحو قرارات طائشة، غير عابئين بالتبعات. هذا التغافل ينبع من أن الحاضر بالنسبة للغالبية ليس كيانًا قائمًا بذاته، بل هو إما امتداد للماضي يفسَّر من خلال تجاربه، أو مقدمة للمستقبل تُشغل بآماله وقلقه. ولذلك، لا تُرى الأخطاء على حقيقتها إلا عندما تتكشّف مآلاتها، أي عندما يصبح الحاضر ماضيًا ونشهد الثمار المريرة لتقاعسنا أو تسرعنا. حينئذ فقط، يصحو ضميرنا المكلوم بصرخة “يا ليتني…”، ولكن “لات حين ندم”.
إن هذا التشخيص النفسي العميق يتجسد بأبهى صوره في مقاربة الإنسان لمفهوم السفر عبر الزمن (Time Travel). فبدلاً من أن نرى في السفر عبر الزمن مغامرة لانهائية الاحتمالات، نجد أن المخيلة البشرية، كما ظهرت في أيقونات الثمانينيات مثل فيلمي “العودة إلى المستقبل” (Back to the Future) و “المُفني” (Terminator)، تقصر هذا الانتقال على هدف واحد: تصحيح الماضي.
في كلا الفيلمين، لم يكن السفر إلى الماضي مجرد استكشاف، بل هو مهمة إنقاذ؛ إما لتصحيح أحداث أدت إلى حاضر بائس، أو لتغيير مسار حدث مصيري لئلا يؤول إلى أمر غير مرغوب. إنها رغبة إنسانية جارفة في الحصول على “فرصة ثانية” لـ “اللعب النظيف”، لكنها في جوهرها انعكاس للهوس الذي يدفعنا للتركيز على ما فات بدلاً من البناء على ما هو آتٍ في اللحظة الحالية.
إن هذا الإصرار على التغاضي عن متطلبات اللحظة الراهنة – سواء كانت إقدامًا على فعل أو إحجامًا عنه – يمثل، بمفارقة غريبة، إحدى أبرز السجايا البشرية. فلولا هذه النزعة نحو الاندفاع أو التقاعس غير المحسوبين، ما كان الإنسان ليصبح كائنًا قادرًا على التعلم من تجاربه المؤلمة بالندم.
لكن التمايز بين البشر يكمن تحديدًا في كيفية إدارة هذه النزعة. فقلة من البشر هي التي تستطيع تقدير اللحظة الراهنة حق قدرها، فتوفيها حقها من التروي والتمهل والتريث. هؤلاء قلة يندر أن يصدر عنهم ما يجعلهم يديمون الندم بعد انقضاء اللحظة، لأنهم عاشوها بوعي كامل. أما الكثرة اللاهية، فمشغولة بآمالها المستقبلية وقلقها الماضي، فلا هي قدرت اللحظة الراهنة بما تقتضيه منها، ولا هي بمقدورها أن تفلت من قبضة الندم على ما فاتها.
يبقى السؤال: هل سنظل سجناء “مهمات الإصلاح المتأخر” في ماضينا، أم سنتعلم أن أعظم قوة تغيير تكمن في احترام وصياغة الحاضر الذي بين أيدينا الآن؟
