
كثيرًا ما يُظنّ أن الاهتداء إلى سبيل الرشاد نهايةُ المطاف في رحلة الإنسان إلى الحق؛ إذ يُخيَّل إلى العقل أنَّ المعرفة بالخير كافية لبلوغه، وأنَّ إدراك الصواب يُفضي حتمًا إلى العمل به. غير أنّ التجربة الوجودية والآيات النفسية تشهد بخلاف ذلك. فكم من عارفٍ بالحقّ لم ينتفع به، وكم من حافظٍ لآيات الهداية لم يتخلّق بنورها!
ومن هنا تكتسب المقولة «ما انتفعَ مِن اهتدائِه إلى سبيلِ الرشاد مَن كان قلبُه مرتعًا لسوءِ الظنِّ والأحقاد» عمقها الفلسفي؛ إذ تُميّز بين الهداية كمعرفةٍ عقلية وبين الهداية كتحوّلٍ وجودي. فالمعرفة قد تنيرُ الطريق، لكنَّ القلب المظلم يُطفئ نورها في ذاته.
أولًا: الهداية ليست فعلًا معرفيًا صرفًا
إنّ الهداية لا تُختزل في كونها إدراكًا ذهنيًا للصواب، بل هي توافقٌ بين العقل والقلب والضمير. فالعقل يُدرك الحقيقة، والقلب يُصدّقها أو يرفضها. فإذا كانت النفسُ مرتعًا لسوء الظنّ، فإنّها تُسقِط على العالم ظلالَها الداخلية، فترى الخير شرًّا والحقّ باطلًا، لأنّ المرء لا يرى الأشياء كما هي، بل كما هو في داخله.
ولهذا كان في القرآن تأكيدٌ متكرر على طهارة القلب قبل تلقي النور:
(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
فليس كلّ من يسمع الذكر ينتفع به، بل من كان قلبه حيًّا شاهدًا لا أسيرًا للغلّ والأحقاد.
ثانيًا: سوء الظنّ والأحقاد كظلمةٍ مانعةٍ من الانتفاع بالهدى
سوء الظنّ والأحقاد ليست مجرّد رذائل أخلاقية، بل هي حجبٌ باطنية تحجب القلب عن نور الهداية. فمن ظنّ السوء بغيره إنما يُسقط خبث نفسه عليه، فيغدو عاجزًا عن رؤية الصدق في الناس والحق في القول. أما الحقد، فهو نارٌ تأكل رصيد القلب من السكينة، وتُفسد عليه نقاء الإدراك، فيرى كلّ إشراقٍ تهديدًا، وكلّ صلاحٍ منافسةً، وكلّ نعمةٍ إثارةً للحسد.
وعندئذٍ يصبح العلم بالدين سلاحًا يُستعمل للمراء والخصومة لا للإصلاح، والهداية معرفةً معلّقة لا تُثمر عملًا.
ثالثًا: الانتفاع بالهداية رهينُ صفاء الباطن
لا ينتفع المهتدي بهدايته إلا إذا كانت النفس مهيأة لاستقبال النور. فكما لا ينعكس النور على سطحٍ مغطّى بالعتمة، كذلك لا ينفذ نور الحقّ إلى قلبٍ كدّرته الظنون. ولذلك فإنّ الهداية الحقيقية فعلٌ تطهيريّ قبل أن تكون فعلًا تعليميًّا؛ تبدأ من الداخل، من تطهير الذات من أدرانها، ثمّ تنعكس على السلوك والوعي.
فالهداية النافعة لا تقود إلى الجدل، بل إلى السكينة؛ ولا إلى الفخر بالعلم، بل إلى الاتّضاع أمام عظمة الحق.
إنّ الهداية إلى سبيل الرشاد لا تُغني عن صفاء القلب، كما لا تُثمر المعرفة ما لم تتهيأ الأرض التي تُنبتها. فالقلب الممتلئ بالظنون والأحقاد يُحوّل حتى أنوار الهداية إلى مادةٍ جديدةٍ للجدل والمباهاة.
ولذلك، فالهداية لا تُقاس بوفرة العلم ولا بكثرة الاستدلال، بل بقدرة الإنسان على أن يجعل من علمه جسرًا إلى سلامه الداخلي وسلام العالم من حوله.
