
يُعدّ التناقض إحدى السمات الراسخة في الطبيعة البشرية. فقلّ أن تجد إنسانًا لا يقع في صورة من صور التناقض بين ما يقول وما يفعل، غير أن هذا التناقض يبلغ ذروته حين يتخذ طابعًا دينيًا؛ أي حين يتحول الدين إلى واجهةٍ تُخفي خلفها ذاتًا متورطة في النزاع بين الإيمان والهوى.
فالقرآن الكريم يشير إلى هذا الانفصام الوجودي في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف: 2–3).
إنه نداء أخلاقيٌّ صارم، يضع الصدق العملي في صلب الإيمان، ويجعل من التناقض بين القول والعمل مقتًا عظيمًا، أي انحرافًا عن روح التدين الحق.
التناقض في التديّن لا يعني بالضرورة النفاق الصريح، بل يشمل كل حالات الانفصال بين المعرفة الدينية والسلوك الأخلاقي، حيث يُمارَس الإيمان بوصفه منظومة فكرية أو طقوسية منفصلة عن مقتضياتها العملية.
وهذا ما يجعل بعض المتدينين – من حيث لا يشعرون – يجسدون المفارقة القرآنية القائلة:
(كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).
فكم من متدينٍ يقرأ القرآن ولا يتخلق به، وكم من قارئٍ للقرآن والقرآن يلعنه، كما جاء في الحديث الشريف: “رُبَّ قارئٍ للقرآنِ والقرآنُ يلعنه.”
تُسمي المدرسة النفسية الحديثة هذه الظاهرة “التنافر المعرفي” (Cognitive Dissonance)، وهو الصراع الذي ينشأ حين تتعارض معتقدات الإنسان مع سلوكه.
ولكي يتخلص من هذا الصراع، يلجأ العقل إلى آليات دفاعية مثل التبرير، أو إسقاط اللوم على الآخرين، أو إعادة تفسير النصوص بما يُرضي الهوى.
وهذه الآليات هي ذاتها ما يصوره القرآن حين يقول:
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة: 14–15).
فالتناقض إذن ليس عجزًا عن الفهم، بل هو حيلة نفسية لتسويغ الانحراف عن الفهم الصحيح.
يصل البحث هنا إلى لبّ الظاهرة: أن سبب ملازمة التناقض لتديُّن البعض هو اتخاذ الهوى إلهاً من دون الله.
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) (الجاثية: 23).
فالآية تُظهر المفارقة الأخطر: أن الضلال قد يقع على علم، أي أن المعرفة الدينية قد تتحول إلى أداة لتبرير الهوى لا لمقاومته.
وهذا النوع من التناقض يُنتج ما يمكن تسميته “الهوى المتديّن”، وهو أكثر صور الانحراف خفاءً، لأنه يتلبس لباس الصلاح.
الدين في جوهره ليس هو السلوك الطقوسي بل هو تجربة وعي تنعكس فيها صورة الإنسان الحقيقية.
ومن هنا فإن صدق التدين يقاس لا بكثرة الشعائر، بل بمدى التناسق بين القول والفعل.
فالله تعالى يقول:
(فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32).
إن تزكية النفس في غير موضعها صورة من صور خداع الذات، وهي التي تحوّل التديّن إلى آلية للتفوق الأخلاقي الزائف لا للتطهر الداخلي.
لكي يتحرر الإنسان من التناقض الملازم لتديّنه، لا بد أن يعيد توجيه وعيه من الخارج إلى الداخل.
فالإصلاح لا يبدأ من تكثيف الشعائر، بل من مراجعة العلاقة بين الهوى والنية.
وهذا ما قصده القرآن بقوله:
(قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس: 9–10).
فالتزكية هنا ليست تعاليًا أخلاقيًا، بل عملية مستمرة من النقد الذاتي، يواجه فيها الإنسان تناقضاته بشجاعة لا بإنكار.
إن التناقض في التديّن ليس ناتجًا عن ضعف الإيمان فحسب، بل عن اختلاط الإيمان بالهوى وغياب الوعي بالذات.
ولذلك فإن علاج هذا التناقض لا يكون بالوعظ ولا بالرقابة الاجتماعية، بل بتربية الوعي الداخلي الذي يُخضع النية للفحص، والسلوك للمساءلة، والعقيدة للتجربة الأخلاقية الصادقة.
فالتدين الحقيقي هو ذاك الذي يُثمر اتساقًا بين ما في القلب وما على اللسان وما في العمل، لأنه يعبّر عن وحدة الكيان الإنساني في حضرة الله.
