
تبيانُ حقيقةِ الإنسان ركنٌ شديدٌ من أركانِ رسالةِ القرآن. ومتدبرُ القرآن لن يصعبَ عليه أن يتبيَّنَ ما يشتملُ عليه القرآن من بيانٍ مفصَّل للأوصافِ التي يتصفُ بها الإنسان. وهذه الأوصاف تقدم لنا تصويراً قرآنياً لحقيقةِ الإنسانِ التي يصرُّ كثيرٌ منا على التشاغلِ عنها وعما توجبه علينا من تساؤلاتٍ تدور كلُّها في فلَكِ الأسبابِ التي جعلت الإنسانَ يتصفُ بهذه الصفات المتعالية على الجِنسِ والعِرق والمستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وذلك لأنها أوصافٌ يتشاركُها أفراد الجنس البشري قاطبة. فما الذي حدثَ فجعل البشرَ كلَّهم جميعاً يتصفون بهذه الصفات التي يخفق العِلمُ البشري في تحديدِ الأحداث التي حتَّمت وجوبَ اتصافِ الإنسانِ بها؟
فالبايولوجيا التطورية، التي هي وسيلةُ العِلم الوحيدة لمقاربةِ مسيرةِ نشوءِ وارتقاءِ الإنسان، ليس بمقدورِها أن تعلِّلَ لحيودِ الإنسان عن نظامِ الطبيعة ولخروجِه بالتالي على قوانينِها ومحدِّداتِها وضوابطِها. فكيف تعلل هذه البايولوجيا لِما تشتملُ عليه شخصيةُ الإنسان من صفاتٍ تُعجِزُ تاريخَه التطوري عن التسبيبِ لها إعجازها لأيِّ مقاربةٍ تعليليةٍ أخرى نفسيةً كانت أم اجتماعية أم اقتصادية أم سياسية؟ فما الذي حدث فجعلَ الإنسانَ، وكما وصفَه القرآن: ضعيفاً، عَجولاً، ظَلوماً، جَهولاً، يئوساً، قنوطاً، كفوراً، مجادلاً، فرِحاً، فخوراً، قتوراً، هلوعاً، جزوعاً، كنوداً، منوعاً؟ لا إجابةَ عند العِلم على ذلك.
وإذا كان القرآنُ يقدِّم لنا هذا البيان التفصيلي عن الإنسان، والذي يشهد واقعُه بصحتِه وصدقِه، فإنه لا يكتفي بذلك بل يقدِّم لنا أيضاً “وصفةً إلهية” بمقدورِها أن ترقى بالإنسانِ فوق رذيلِ صفاتِه لتجعلَه “كياناً آخر” إذا قال للشيءِ “كن” فيكون، هذا إذا ما اتبع هذه الوصفةَ بحذافيرِها والتزمَ بها الالتزامَ الأمثل.
وهكذا يتبيَّنُ لنا لماذا يحتاجُ الإنسانُ إلى الدين. فالإنسانُ لن يستطيعَ وحدَه، مهما أوتي من رجحان فكرٍ وقوةِ عقلٍ وبلاغةِ منطقٍ وحجة، أن يسموَ فوق “ضعفِه الخَلقي”، ويعلوَ فوق ما جُبِلَ عليه من صفاتٍ ذميمة تمايزَ بها حتى عن الحيوان. وحده دين الله بمقدورِه أن يمدَّ للإنسانِ يدَ العون فيأخذَ بيدِه ويحلِّق به بعيداً إلى سمواتٍ خُلِقَ مؤهلاً لارتيادِها واجتيازِها.
