هل هناك علاقة بين التقوى وغزارةِ العلم بالدين

غزيرُ علمِك بالدين لا يجعلُك بالضرورةِ من المتقين؛ فالعلمُ بالدينِ — على سموِّه ومكانته — يظلُّ معرفةً ذهنيةً ما لم ينعكسْ في وجدانِ صاحبهِ انكسارًا أمام عظمةِ الله، وخشيةً تُصلحُ سريرته قبل أن تُهذِّبَ ظاهرَه. إنَّ كثيرًا ممَّن خاضوا بحارَ العلومِ الشرعية غرقوا في لجَّةِ الجدلِ والتنظير، بينما فاتهم أنَّ التقوى لا تُستقى من الكتب، بل من صفاءِ القلب وصدقِ النية.
فالمتقون لا يُعرَفون بسعةِ محفوظاتهم، بل بصفاءِ بواطنهم، وحضورِ الله في ضمائرهم، وحياءٍ باطنيٍّ يمنعُهم من الدنوِّ من مواطنِ الإثم ولو خفيًا. وما أكثرَ من جمعوا بين دفَّتي ألوفِ الصفحات، ثم أضاعوا من أنفسهم ما يُقيمُ لهم صلتَهم بالله.
إنَّ الدينَ لا يطلبُ من الإنسانِ أن يكون موسوعةً في أحكامِه، بل أن يكون صادقًا في خشيته. فقد يكونُ الأميُّ الذي لا يُحسنُ القراءةَ من المتقين، والعالمُ الذي يملأُ الدنيا صخبًا بمعرفتهِ من الغافلين. لأنّ التقوى ليست حافظةَ نصوصٍ، بل بصيرةٌ تضيءُ القلبَ إذا استشعر حضورَ الله في كلِّ فعلٍ ونية.
العلمُ بالدينِ وسيلةٌ إلى الله، لا غايةٌ في ذاته. فإذا غدتِ الوسيلةُ غايةً، انقلبت عبئًا معرفيًّا يثقلُ النفسَ ولا يُنيرُها. ومن هنا، فإنَّ امتحانَ العلمِ الحقيقيّ ليس في الامتحاناتِ ولا المناظرات، بل في اللحظةِ التي يقفُ فيها الإنسانُ وحدَه أمام خيارٍ أخلاقيٍّ، فيختارُ ما يُرضي اللهَ لا ما يُرضي نفسه.

أضف تعليق