“الاستكشافية الجوهرية”… نحو تطهير ابستمولوجيا العلم من هيمنة البراجماتية

أزمة المعيار المعرفي في عصر النفعية
لقد شهدت المعرفة الإنسانية، والعلم بصفته عمودها الفقري، تحولاً جذرياً في العقود الأخيرة، ليس في النتائج وحسب، بل في معيارية الانطلاق ذاتها. لقد اجتاحت الفلسفة البراجماتية، بنظرتها التي تغلب المنفعة وتجعلها المعيار الأوحد للحكم على صدق الأفكار وزيفها، صميم البحث العلمي. وأصبح “الحق” في الميدان العلمي مرادفاً لـ “ما يعمل”، أو بتعبير أدق، “ما يدرّ المال” أو “ما يخدم المصالح القائمة”.
إن هذه النزعة تشكل أزمة وجودية لأهداف العلم النبيلة. فالفلسفة البراجماتية، وإن كانت قدمت إسهامات في مجالات الحياة العملية، إلا أنها حين تسللت إلى قلب الابستمولوجيا العلمية، حولت البحث عن الحقيقة الكونية إلى سعي محكوم بـ المصلحة الذاتية، وجعلت من الطبيعة مصدراً يتم استغلاله لا استكشاف غموضه بعين محايدة. ومن هنا، بات لزاماً علينا تثوير نظرية المعرفة بطرح مقاربة جديدة تدعو إلى تطهير هذا المسار؛ وهي المقاربة التي نسميها: “الاستكشافية الجوهرية”.
إن الفلسفة العلمية، وبخاصة فلسفة الفيزياء بوصفها العلم الأكثر قدرة على كشف الأسرار الجوهرية للوجود، أصبحت أسيرة لضواغط السوق ورأس المال. يتم تحديد مسارات البحث العلمي الأساسي، ليس وفقاً لأهميتها الابستمولوجية في فهم الكون، بل بناءً على قدرتها المحتملة على إنتاج تكنولوجيا قابلة للتسويق.
وهذا التكافل المشبوه بين البحث العلمي والمنفعة الاقتصادية يؤدي إلى نتائج كارثية:
– الإجهاض المعرفي: يتم إهمال مجالات بحثية كاملة – مهما كانت غنية بالفرضيات التي قد تقلب فهمنا للوجود – لمجرد أنها لا تفي بمتطلبات “الربح السريع” أو “الاستخدام الفوري”.
– الأحكام المسبقة: يتم تبني أطر نظرية نمطية ومألوفة لأنها الأسهل في “التطبيق”، بدلاً من تلك التي قد تكون أكثر دقة في وصف الحقيقة لكنها تتطلب إعادة بناء جذرية لأدواتنا الفكرية.
– إفقار الرؤية: يغدو العلم أداة طيعة في أيدي أولئك الذين يملكون المال، مما يجعله خادماً لـ جشعهم وطمعهم بدلاً من أن يكون منارة تستنير بها البشرية جمعاء.
الاستكشافية الجوهرية: الشعار والمبدأ
ندعو إلى تعميم مقاربة الاستكشافية الجوهرية في فلسفة العلوم بعامة، وفلسفة الفيزياء بخاصة. تقوم هذه المقاربة على مبدأ واحد غير قابل للتفاوض: يجب أن يقتصر شعار العلم الأوحد على “البحث عن الحقيقة”.
تعريف الاستكشافية الجوهرية:
هي مذهب ابستمولوجي يرفض الاعتبارات النفعية كمعيار للحقيقة العلمية، ويدعو إلى العودة الصارمة إلى الطبيعة كمصدر وحيد للمعرفة، وذلك بغرض استكشاف غوامضها وجوهرها لذات الاستكشاف، وبصرف النظر عن أي منفعة تطبيقية أو عائد مادي.
إن تطبيق هذا المذهب يقتضي تجريد البحث العلمي من كل ما هو “براجماتي” أو “مصلحي”، بحيث تعود خطواته محكومة بأخلاقيات النقاء المعرفي.

تفتح “الاستكشافية الجوهرية” الباب أمام تثوير حقيقي لنظرية المعرفة العلمية، وذلك من خلال:
1. تحطيم القوالب النمطية
يجب أن يعود الباحث إلى الطبيعة بذهن “الصفحة البيضاء” (Tabula Rasa)، متخلياً عن كل القوالب الفكرية النمطية والأحكام المسبقة التي فرضتها نجاحات الماضي أو ضواغط الحاضر. إن البحث عن الحقيقة الكونية في الفيزياء، مثلاً، لا يجب أن يكون محكوماً بالنماذج الرياضية المريحة، بل بالبيانات الأكثر صدقاً و”غربة” التي تقدمها الطبيعة.
2. احتضان الظواهر الخارقة
إن الفشل الأبرز للنظرة البراجماتية هو إهمالها المتعمد لـ الظواهر الخارقة أو الشاذة (Anomalies). يتم تجاهل هذه الظواهر أو تهميشها لأنها لا تتناسب مع النماذج العلمية السائدة ولا تقدم منفعة عملية فورية، أو ربما تقع خارج نطاق التمويل الموجه.
تُلزمنا “الاستكشافية الجوهرية” بأن نولي هذه الظواهر ما تستحقه من اهتمام معرفي عميق، لأن الحقيقة الكبرى غالباً ما تكمن في الاستثناء لا في القاعدة. يجب أن تُقاد خطوات البحث العلمي بما يثير الحيرة والتساؤل الحقيقي، لا بما يعد بالربح الوفير.

دعوة إلى النقاء
إن المقاربة الابستمولوجية لـ “الاستكشافية الجوهرية” ليست مجرد دعوة لإصلاح منهجي، بل هي ضرورة أخلاقية وفلسفية. إنها نداء موجه إلى فلاسفة العلم، وعلماء الفيزياء، وكل باحث عن المعرفة: يجب أن نتحرر من قيود المنفعة المادية التي تقودها السوق، لنعود إلى جوهر العلم كـ تعبير عن الفضول الإنساني الأسمى في فهم الكون.
علينا أن نؤمن بأن الاستكشاف بذاته هو القيمة العليا، وأن الحقيقة، وإن لم تكن نافعة مادياً اليوم، هي دائماً المنفعة المطلقة غداً. عندها فقط، يمكننا أن نثور على ركود المعرفة، ونفتح آفاقاً جديدة لا تحدها إلا سعة الكون وعمق أسراره.

أضف تعليق