
يعيشُ العلمُ اليوم مفترقًا إبستمولوجيًا حاسمًا. فبعد أن تحرَّر من سلطة الدوجما اللاهوتية في القرون الماضية، وقع — على نحوٍ غير معلن — تحت سطوةٍ جديدة هي سطوة البراجما، أي سلطة المنفعة بوصفها المعيار الأعلى للحقيقة. لقد انقلبت المقولة الشهيرة “العلم من أجل العلم” إلى “العلم من أجل الربح”، حتى صار البحث العلمي خاضعًا لما تمليه المصالح الاقتصادية والسياسية، لا لما تمليه نزاهة السؤال المعرفي.
إن الدعوة إلى تحرير العلم من الدوجما والبراجما هي في جوهرها دعوة إلى استعادة براءة المعرفة الأولى؛ المعرفة التي لا تسعى إلى التبرير ولا إلى المنفعة، بل إلى كشف الحقيقة لذاتها.
تطرح هذه المقالة مصطلحًا جديدًا في فلسفة العلوم هو “التحرير الإبستمولوجي” (Epistemological Liberation)، بوصفه مشروعًا لإعادة توجيه العقل العلمي نحو غايته الأصلية: الفهم قبل الاستخدام، والكشف قبل التوظيف.
فالتحرير الإبستمولوجي يعني أن تتحرر المعرفة من كل قيدٍ خارجي يفرض عليها مقاييس الصواب من خارجها، سواء أكان هذا القيد دينيًا لاهوتيًا كما في العصور الوسطى، أم نفعيًا براغماتيًا كما في عصر التقنية المعاصر.
وهذا التحرير لا يُراد به نقض التجريبية أو الواقعية العلمية، بل تحريرهما من تحويلهما إلى أيديولوجيا، بحيث يصبح العلم من جديد ممارسةً عقليةً حرّةً غايتها الوحيدة التعرّف على الحقيقة الكامنة وراء الظواهر، لا إنتاج أدوات للهيمنة أو الربح.
إن البراجما — كما صاغها وليم جيمس وجون ديوي — لم تعد مجرد نظرية فلسفية في العمل أو النجاح، بل تحولت في القرن الحادي والعشرين إلى نظامٍ عالميٍّ للمعنى يحدِّد ما يُعَدُّ علمًا وما يُرفض بوصفه خرافة.
فما لا يعود بالنفع الاقتصادي أو التقني أو العسكري يُقصى فورًا من دوائر البحث الجاد، حتى وإن كان يحمل مفاتيح لتوسيع أفق الفهم الإنساني.
تحت هذه الهيمنة، صار “النافع” بديلاً عن “الصادق”، و”الممكن تطبيقه” بديلاً عن “الممكن فهمه”، وبهذا خسر العلم جوهره الفلسفي، أي سعيه إلى معرفةٍ لامنفعةَ فيها سوى متعة الإدراك ذاته.
تدعو هذه المقالة إلى استعادة الروح التي انطلق منها العلم الطبيعي في فجره الأول، حين كان المشاهِد يقف أمام الطبيعة بإجلالٍ ودهشة، لا كمالكٍ يسعى لاستغلالها.
ذلك أن الطريق إلى اكتشاف الحقيقة لا يمر عبر الأسئلة النفعية (“ماذا سنربح؟”) بل عبر الأسئلة الوجودية (“ما هذا الذي أمامنا؟”).
فـ العلم النقي هو ذاك الذي لا يتعهد مسبقًا بنتائجَ أو أغراضٍ أو منتجاتٍ قابلةٍ للتسويق. إن تحرير العلم من البراجما هو في الوقت نفسه تحرير للطبيعة من الاستغلال وتحرير للعقل من العبودية الاقتصادية.
ما يعيق تقدم العلم اليوم ليس فقط انحيازه للمنفعة، بل أيضًا دوجما رفض الظواهر الخارقة وكل ما لا يخضع لمقاييس التجريب التقليدي.
فالخارق، والعجيب، واللامألوف، كلها باتت ضحية “عقيدة الرفض المسبق” التي تحكم المختبرات والمؤسسات البحثية.
والمفارقة أن هذه العقيدة ليست علمية في ذاتها، بل ميتافيزيقية خالصة، لأنها تقوم على الإيمان المطلق بحدود المنهج التجريبي وكأنه إله الحقيقة الأوحد.
إن الدعوة إلى تحرير العلم من الدوجما هي إذن دعوة إلى إعادة فتح باب السؤال أمام ما استُبعد ظلماً من مجال البحث، لا لتبنّيه دون دليل، بل للسماح له بأن يُختبر دون أحكام مسبقة.
إذا أردنا إعادة بناء فلسفة العلم على أسس جديدة، فلا بد أن نؤسسها على مبدأ واحد:
“الحقيقة هي الغاية، لا الوسيلة.”
فما لم يكن البحث العلمي مسكونًا بشغف الحقيقة، فإن كل منجزاته المادية تبقى خالية من الروح.
إن إعادة الاعتبار لشعار “البحث عن الحقيقة” ليست عودة إلى الماضي، بل ثورة معرفية جديدة تعيد وصل العلم بما انقطع عنه من وعي فلسفي وإنساني.
التحرير الإبستمولوجي ليس مشروعًا أكاديميًا مجردًا، بل دعوةٌ إلى مقاومةٍ معرفيةٍ ضد تحويل العلم إلى أداة طمعٍ أو أداة دعايةٍ أو أداة سلطة.
فالعلم لا يكون علمًا إلا حين يظل حرًّا.
والعقل لا يكون عاقلاً إلا حين يجرؤ على السؤال خارج كل دوجما، وخارج كل براجما.
فلنحرر العلم من الدوجما والبراجما، لكي نحرر الإنسان من الجهل المتلفع برداء العلم!
