
الرجمُ بالغيب” هو فعلٌ من أفعالِ “التنبؤ بالمستقبل” ينطوي على رمي أحجارٍ صغيرة كيفما اتفق ليصارَ بعدها إلى “قراءة” ما تقولُه التشكيلةُ التي كوَّنتها. وهو فعلٌ كان البعضُ من كهانِ العربِ يمارسونه كلما قصدَهم مَن يريد أن يعرفَ “ما يخبئه له الغيب”، وذلك نظيرَ مبلغٍ من المال أو مقايضةً يتفقُ عليها الطرفان.
ولقد توارث هذه الممارسة، التي كانت شائعةً بين كثيرٍ من الشعوب آنذاك، عرافون ومستبصرون اتخذوا منها مهنةً يخدعون بها الناس. ومن هنا كان “الرجمُ بالغيب” مصطلحاً كانت العربُ تطلقُه على كلِّ مَن يزعم أن بمقدورِه أن يعرفَ مغيَّباتِ الأمور وغوامضَها، وكلَّ ما استخفى من علمٍ ومعرفة. وهذا ما قصد إليه قولُ اللهِ تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) (من 22 الكهف).
ولقد سمَّت العربُ قطعَ الحجارةِ الصغيرةِ التي كان يستعينُ بها العرافُ والمستبصرُ “رجوماً”، وبهذه التسمية عُرِفت أيضاً كلُّ حجارةٍ صغيرة. وكلمة “رجم” في القرآنِ العظيم، بتنويعاتِها كلِّها جميعاً قد جاءت هي الأخرى من توسعةِ معنى كلمة “رجوم”:
1- (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (18 يس).
2- (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) (20 الدخان).
3- (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز) (91 هود).
4- (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) (20 الكهف).
وهذه الرجومُ صارت تُعرَفُ لاحقاً بـ “الجمرات”، وذلك لأنَّ اللهَ تعالى قد صيَّرَ كلَّ واحدةٍ من تلك الحجارة جمرةً من نار، لكي تُلحقَ الأذى بالشياطين، ومن ذلك ما وردَ في قولِه تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) (من 5 المُلك).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ كلمةَ “رجوم” هي الكلمةُ- الجذر التي منها تشعَّبت كلماتٌ وتنوعَّت معانٍ تتشارك كلُّها جميعاً ذاتَ الأصل الذي ليس بالعسيرِ تبيَّنُه واستقصاءُ رحلتِه التطورية التي نجمَ عنها تولُّدُ كلماتٍ جديدة تختلفُ عن هذا الأصلِ في المبنى والمعنى.
