قراءة نقدية لكتاب “إنكار الموت” لإرنست بيكر

يُعد كتاب “إنكار الموت” (The Denial of Death) لعالم الأنثروبولوجيا الثقافية إرنست بيكر، الحائز على جائزة بوليتزر، من النصوص المؤسِّسة التي قدَّمت رؤية جريئة ومحفِّزة حول الدافع الجذري للسلوك الإنساني. ينطلق بيكر من فرضية رئيسية مفادها أن الخوف من الموت والفناء هو المحرك الأساسي لكل الحضارة والجهد البشري.
1. استعراض المحاور الرئيسية للكتاب (الفصول الأولى)
يبني بيكر أطروحته من خلال استعراض نقدي لمختلف المدارس النفسية، وخاصة الفرويدية، ليرسخ الفكرة القائلة بأن الإنسان يعيش “رعبًا وجوديًا” ناتجًا عن وعيه بحتمية فنائه الجسدي (أو ما يسميه “الازدواجية المروعة”). وتتلخص محاور الكتاب الأولى فيما يلي:
– الخوف الكامن: الخوف من الموت لا يُختبر بوعي دائم، بل يكمن في اللاوعي ويؤثر على كل قرار.
– مشروع البطولة (Heroism): الإنسان يسعى للبطولة كآلية دفاعية تهدف إلى تحقيق الخلود الرمزي. هذا السعي هو محاولة لإثبات القيمة الذاتية وترك أثر دائم يتجاوز حدود الجسد الفاني.
– الثقافة كنظام دفاعي: كل حضارة تُقدِّم “نظامًا للبطولة” يحدد معايير القيمة ويغذي النرجسية الفردية، مما يمكّن الأفراد من العيش دون الانهيار تحت وطأة القلق الوجودي.
2. الدين كـ “ملاذ آمن”: مقاربة بيكر البراجماتية
في الفصل المحوري الذي يتناول الدين، يضع بيكر الدين التقليدي في سياق الآلية الدفاعية الجماعية الأعظم. من وجهة نظره، فإن الدين يُقدِّم الحل الأمثل للتهدئة النفسية، عبر:
– توفير الخلود الروحي: يقدّم الدين وعدًا بالفناء، لكنه يؤكده بالاستمرار عبر الروح، مما يحل معضلة الازدواجية البشرية بين الجسد الفاني والوعي اللامحدود.
– إعفاء الإنسان من المسؤولية الذاتية: يُمكّن الدين الإنسان من نقل تبعات وجوده وقيمه إلى “قوة عليا” مطلقة، مما يُخفف من العبء الفردي للقلق والحرية.
الخلاصة وفقًا لبيكر: الدين بهذا المعنى هو اختراع إنساني ثقافي، و”كذبة نبيلة” وظيفية (Functionally Noble Lie)، وُجدت تحديدًا لكي يُوفِّر للإنسان ملاذًا من قلقه الوجودي. إنه حلّ براجماتي يضمن الاستقرار النفسي والثقافي.
3. الانطلاقة التصويبية: تحرير الدين من النزعة البراجماتية
إن مقاربة بيكر للدين، على الرغم من عمقها النفسي، تظل حبيسة إطار براجماتي يختزل الدين في وظيفته كمهدئ للأعصاب أو حل للقلق. ولتحرير مقاربتنا للدين من هذه النزعة، لا بد من الانطلاق من التعريف الذاتي للدين كما ورد في مصدره الأساسي: القرآن الكريم.
أ. الدين كمُنَزَّل لا كـ “اختراع بشري”
المنظور القرآني ينص بوضوح على أن الدين هو مُنَزَّل من خالق الوجود، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19). هذا يضع حدًا فاصلاً بين الدين كحقيقة عليا مطلقة وبين “الأنظمة الثقافية” أو “الآليات الدفاعية” البشرية التي قد تنتجها المجتمعات. لا يمكن للمُنَزَّل أن يكون “اختراعًا بشريًا” لتلبية حاجة نفسية.
ب. الدين لا يعبأ بمشاعر الإنسان الذاتية (بشكل أساسي)
خلافًا لما تفترضه المقاربة البراجماتية، فإن رسالة الدين الأساسية لا ترتكز على توفير الراحة النفسية الذاتية للإنسان حيال موته أو أي من قلاقل الحياة. بل رسالة الدين هي:
– التعريف بالحق: تحديد طبيعة الخالق، وهدف الخلق، والمسؤولية الأخلاقية.
– الاستخلاف والابتلاء: وضع الإنسان في مهمة (الاستخلاف) وإخضاعه لاختبار (الابتلاء).
الموت في المنظور القرآني ليس موضوعًا للقلق الذي يجب إنكاره، بل هو حقيقة كونية ومنطقية تشكل بداية المحاسبة على هذا الاستخلاف. الدين لا يمنح “ملاذًا خادعًا”، بل يفرض مسؤولية واعية تُجاه المصير بعد الموت.
ج. المواجهة لا الإنكار: جوهر الإيمان
إن الإيمان في المنظور القرآني لا يدعو إلى إنكار الموت أو الهروب منه، بل يدعو إلى المواجهة الواعية والاستعداد له.
– الموت هو يقين وليس “رعبًا يجب كبته” (لِقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾).
– الحل الذي يقدمه الدين ليس “تهدئة” بل إطار عمل أخلاقي يُوجِّه طاقة الإنسان نحو عمل صالح يثمر في الآخرة.
هذا التحول في المقاربة يُحرر الدين من كونه مجرد “علاج نفسي” ويُعيده إلى منزلته الحقيقية كـ نظام حقيقة ومسؤولية، يضع الإنسان أمام مصيره بمواجهة واعية وشجاعة، دون الحاجة إلى “أنظمة بطولة” زائفة.

لقد نجح إرنست بيكر في “إنكار الموت” بتشخيص عميق للقلق الوجودي الإنساني، لكنه فشل في تفكيك الدين كحقيقة مُنَزَّلة، واختزله في وظيفته النفسية. إن التحدي الآن يكمن في تحرير مقاربتنا للدين من هذه النزعة البراجماتية، واعتبار الموت ليس نقطة ضعف تستدعي الإنكار، بل نقطة انطلاق تستوجب المسؤولية والاستعداد، وهو ما يفرضه التعريف الذاتي للدين في مصادره الأصلية.

أضف تعليق