
إن الدعوة إلى تحرير العلم من الدوجما والبراجما لا تكتمل إلا حين تمتد لتشمل كل ما يتصل بالمنظومة الفكرية التي انبثقت منها هاتان العقيدتان المعرفيتان.
فالعلم الحديث، كما الفلسفة، لم ينشآ في فراغ، بل وُلدا من رحم التراث الإغريقي الذي ما زال يفرض هيمنته الصامتة على العقل الغربي، ومن ثم على الوعي الإنساني المعاصر بأسره.
ذلك أن الدوجما والبراجما ليستا سوى أحدث تجليات العبودية الفكرية لآلهة اليونان القديمة — آلهةٍ لم يبقَ لها من وجودٍ سوى أسمائها وكلماتها، لكنها ما تزال تحكمنا من خلال تلك الكلمات التي صارت أعمدةً للنسق المعرفي الغربي.
لقد غزت الكلمات الإغريقية مفاصل الفكر الغربي حتى غدت بنى ميتافيزيقية تحكم كل تفكيرنا من حيث لا نشعر.
فكلمة logos التي كانت في البدء تعني “القول” أو “العقل” أصبحت إلهاً معرفياً يحدّد ماهية التفكير نفسه.
وكلمة metaphysica لم تعد تصف نطاقًا فلسفيًا بل تحولت إلى حدٍّ فاصلٍ بين المقبول والمرفوض في البحث العلمي.
وdogma لم تبقَ مجرد رأي أو عقيدة بل صارت عنوانًا لسلطةٍ معرفيةٍ تقرّر ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز.
حتى pragma التي كانت في أصلها تعني “الفعل” أو “العمل” أصبحت عنوانًا لأيديولوجيا المنفعة المطلقة.
وهكذا، فإن النظام المعرفي المعاصر يقوم في جوهره على قاموسٍ يونانيٍّ ميتافيزيقيٍّ، ما زال يُملي علينا كيف نفكّر، وبماذا نؤمن، وما نرفض، وما نبحث عنه.
لقد توهّم الغرب الحديث أنه تحرّر من آلهة الأولمب، لكنه في الحقيقة لم يبرح معابدها قط.
فالعقل الذي يزعم أنه عقلٌ علميٌّ حرٌّ ما زال يسجد، من حيث لا يدري، لآلهةٍ بأسماءٍ أخرى: Logos، Ratio، Praxis، Techne.
كل واحدةٍ من هذه الكلمات تمثل وثنًا معرفيًا يحدّ من انفتاح الفكر على ممكناته الجديدة، ويُبقيه أسيرًا لفلسفةٍ قديمةٍ تتنكر في ثياب الحداثة.
فالحداثة التي تُفاخر بتحرير الإنسان من الخرافة قد أسّست خرافةً جديدة هي خرافة “العقل المطلق”، تمامًا كما أسّست البراجما خرافة “المنفعة المطلقة”.
إنها خرافةٌ لا تقلّ وثنيةً عن تلك التي عبد فيها الإغريق آلهةً من حجر، سوى أنها اليوم تتخذ شكلَ مفاهيمَ لغويةٍ محصَّنةٍ بسلطة العلم والفلسفة.
إن الخطوة الأولى لتحرير العلم من هذه العبودية هي تفكيك البنية اللغوية – الفلسفية التي تستبطن في داخلها قيمًا يونانية قديمة أعيد إنتاجها في ثوبٍ معاصر.
فما لم نتحرر من هذه المفردات التي تُحدّد أفق تفكيرنا، فلن نستطيع أن نؤسس حضارةً معرفيةً جديدة.
إن المطلوب ليس نفي التراث الإغريقي، بل تجاوزه.
فكما تجاوزت الفيزياء الكلاسيكية حدود نيوتن لتبلغ النسبية والكوانتم، كذلك يجب على إبستمولوجيا المستقبل أن تتجاوز حدود سقراط وأفلاطون وأرسطو نحو أفقٍ معرفيٍّ جديد تكون فيه الميتافيزيقا محرّكًا لا صنمًا، وأداةً لفتح آفاق الفهم، لا سورًا يقيّدها.
لقد آن الأوان أن نعيد للميتافيزيقا دورها الطبيعي، لا كحَكَمٍ يقيّد البحث، بل كقوةٍ خلاقةٍ تدفعه إلى ما وراء المعلوم.
الميتافيزيقا ليست “ضدّ العلم” كما توهّم الحداثيون، بل هي الأفق الذي يمنح العلم معناه.
وحين نحررها من قوالب الفكر الإغريقي التي جعلتها إلهةً تطلب الخضوع، سنكتشف أنها محرك الوعي الإنساني نحو المجهول، لا عائقًا أمامه.
إذا كانت الإنسانية تطمح إلى بناء حضارةٍ جديدة تسير بخطى ثابتة نحو مستقبلٍ حرٍّ من أوثان الماضي، فإن البداية الحقيقية لذلك ليست في التكنولوجيا ولا في الاقتصاد، بل في تحرير العقل من اللغة التي تأسره.
فما لم نكسر الأصنام التي تتخفى في كلماتنا، سيظل تفكيرنا — مهما بدا متقدماً — يدور داخل معبدٍ قديمٍ شُيّد في أثينا قبل آلاف السنين.
أفلم يأنِ لنا أن نتحرر من عبوديتنا المعاصرة لآلهة اليونان القديمة؟
