
من بين المفردات التي تحمل في طيّاتها تداخلًا دلاليًا بين العالمين الحسّي والذهني، تأتي عبارة «الرجم بالغيب» لتشكّل أحد أكثر المفاهيم القرآنية عمقًا وإيحاءً. فهذه العبارة، على قِصَرها، تُجسّد نقدًا قرآنيًا صارمًا لما يمكن أن نسميه الادعاء البشري بمعرفة المجهول، أي محاولة الإنسان أن يتجاوز حدود إدراكه ليتكلّم في ما لا يملك له علمًا.
وقد ورد المصطلح في قوله تعالى:
(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) (الكهف: 22).
إنّ هذا التعبير القرآني لا يشير إلى مجرّد تخمين أو ظنٍّ خاطئ، بل إلى فعلٍ ذهني له أصلٌ مادّي قديم، إذ كان الرجم بالحجارة الصغيرة وسيلةً للكهانة والتكهّن بالغيب. ومن هنا تبدأ الرحلة التأثيلية للمفهوم، من الرجم المادي إلى الرجم الفكري، ومن الرمي بالحجارة إلى الرمي بالكلمات والتخرصات.
وتهدف هذه المقالة إلى تتبّع تطوّر الدلالة اللغوية والتاريخية والفلسفية لمصطلح “الرجم بالغيب”، وإبراز ما ينطوي عليه من رؤية قرآنية للحدود الفاصلة بين العلم الحق والظنّ الباطل.
في التأثيل اللغوي لجذر “رجم”
الأصل المعجمي
تدلّ مادة (ر ج م) في العربية على الرمي بالحجارة الصغيرة، ومنه قولهم: رجم الرجلُ خصمه رجمًا. والرجم هو الفعل الناتج عن قذف الحجارة، والاسم منه رجوم أي القطع الصغيرة من الحجارة. وقد حملت الكلمة في الاستعمالات الجاهلية معنىً عقابيًا وعدوانيًا في آنٍ واحد، إذ كان الرجم وسيلة للطرد والعقوبة وللتعبير عن الغضب أو النبذ.
التوسّع الدلالي في القرآن الكريم
جاءت كلمة “رجم” في القرآن في سياقات متعددة تتنوّع بين الحسي والمجازي، ويمكن تصنيفها إلى ثلاث طبقات دلالية:
أ. الرجم الحسي
ويتمثل في الرمي بالحجارة المادية كعقوبة أو تهديد بها:
(قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ) (يس: 18)،
(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) (الكهف: 20).
ب. الرجم اللفظي
وهو الانتقال من الفعل الجسدي إلى القول العدواني أو الاتهام والطرد اللفظي:
(وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) (الدخان: 20).
ج. الرجم الذهني
وهو الذي يمثّله قول الله تعالى:
(رَجْمًا بِالْغَيْبِ) (الكهف: 22)،
حيث يتحوّل الرمي من فعل حسّي إلى قول معرفي متهافت، أي ظنون وتخمينات تُرمى في فراغ المجهول.
التحوّل الدلالي
تكشف دراسة هذا التطوّر أنّ الجذر “رجم” قد خضع لمسارٍ تأويلي من الحركة المادّية إلى الفعل المعرفي. فالإنسان، حين رمى الحجارة في الأصل، كان يعبّر عن رفضٍ أو طردٍ أو عقوبة. أمّا حين “يرجم بالغيب”، فإنّه يرمي بالكلمات كما لو كانت حجارة على المجهول، فيعتدي على عالم لا يملكه.
الرجم بالغيب في الممارسة الثقافية والوعي التاريخي
طقوس الرجم بالغيب في الثقافات القديمة
عرفت المجتمعات القديمة أشكالًا متنوّعة من العرافة بالحجارة والرمل والعظام، وكانت تُمارس باعتبارها محاولة لاقتحام أسرار القدر.
كان العرّاف أو الكاهن يرمي الحصى أو يبعثر الرمل، ثم “يقرأ” التشكيلة الناتجة ليُنبئ طالب الغيب بما سيحدث له.
وكانت هذه الممارسة في جوهرها محاكاة رمزية للغيب تقوم على إسقاط الإنسان ظنونه على الطبيعة.
وسمّى العرب تلك الحجارة الصغيرة “رُجُومًا”، وهو اللفظ نفسه الذي استُعمل لاحقًا في القرآن للدلالة على الشهب التي تُقذف بها الشياطين: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ} [من 5 المُلك]
الرجم بالغيب في الخطاب القرآني
حين واجه القرآن هذه الممارسات، لم يكتفِ بتجريمها أخلاقيًا، بل فكّك بنيتها المعرفية.
ففي سياق قصة أصحاب الكهف، يعرض النصّ اختلاف الناس في عددهم، ثم يصف تلك الأقوال بأنها “رَجْمًا بِالْغَيْبِ” أي رميٌ بالأقوال دون علم، ثم يوجّه الخطاب الإلهي النبيَّ بقوله:
(فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا) (الكهف: 22).
أي لا تُجاوز ما ثبت من ظاهر القول، لأنّ ما وراءه من الغيب ليس من شأن البشر.
هنا يظهر القرآن كسلطة معرفية تنهي عن الظنّ الميتافيزيقي، وتُعيد الإنسان إلى حدوده الإدراكية.
من الرجم الحسي إلى الرجم المعرفي
يُظهر هذا التحوّل كيف أن المفاهيم القرآنية تعيد تدوير الألفاظ المادية في مجالات رمزية عليا. فالرجم، الذي كان فعلًا جسديًا مؤذيًا، أصبح في “الرجم بالغيب” فعلاً معرفيًا مؤذيًا أيضًا، لأنه اعتداء على حرمة الغيب الإلهي.
إنّ من يرجم بالغيب لا يختلف كثيرًا عن من يرجم بالحجارة، فكلاهما يتعدّى حدَّه الطبيعي، أحدهما على الجسد، والآخر على الغيب.
في الدلالة الفلسفية والإبستمولوجية للرجم بالغيب
الغيب بين العلم والوهم
يُميّز القرآن بوضوح بين نوعين من الغيب:
غيبٌ إلهيٌّ مطلق لا سبيل لمعرفته إلا بوحي.
غيبٌ نسبيّ يمكن أن يتكشف بالتجربة والعقل والعلم.
وموضع “الرجم بالغيب” هو تجاوز هذه الحدود، إذ يدّعي الإنسان علمًا بما هو خارج نطاقه.
فالقرآن يُقيم بذلك حدًّا إبستمولوجيًا بين ما يجوز للعقل أن يبحث فيه وما لا يجوز أن يتكلّم فيه بغير علم.
في البنية الفلسفية للخطاب القرآني، يمثل “الرجم بالغيب” نموذجًا للمعرفة الزائفة التي تنشأ من الهوى والتخمين لا من الدليل والبرهان.
إنّه نقيض “العلم” الذي يشترط اليقين والبيّنة. ومن هنا فإن الرجم بالغيب هو، من منظور معرفي، ظنٌّ متوحّشٌ يتخذ شكل يقينٍ كاذب، وهو ما يمكن تشبيهه اليوم بالادعاءات العلمية أو الإعلامية التي تُنشَر بلا تحقق.
ليس “الرجم بالغيب” مجرد خطأ فكري، بل تعدٍّ أخلاقي على نظام المعرفة الذي أراده الله قائمًا على الصدق والتواضع.
فهو فعلٌ مزدوج: يعتدي على الغيب، ويُضلّل الناس بادعاء العلم.
يتبيّن من التحليل السابق أنّ “الرجم بالغيب” ليس مجرد تعبير لغوي، بل مفهوم قرآني مركزي يعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والمعرفة والغيب.
فالكلمة التي بدأت فعلًا حسّيًا تحوّلت في النص القرآني إلى رمز إبستمولوجي يرسم حدود ما يجوز للإنسان أن يتكلّم فيه.
إنّ الرجم بالغيب هو في حقيقته هجوم الإنسان على المجهول بالكلمة كما كان يهاجمه بالحجر، لذلك جاء الخطاب القرآني ليردّه إلى حدود الإدراك الممكن، فيعلم أن الغيب ليس ميدان الرجم بل ميدان التسليم.
وبهذا المعنى، يغدو “الرجم بالغيب” مفتاحًا لفهم فلسفة القرآن في المعرفة:
معرفة تقوم على البيّنة لا الظنّ، وعلى التواضع لا الادعاء، وعلى البحث عن الحقيقة لا اختلاقها.
