من الصواب الأخلاقي إلى التناقض المنطقي… انحدار مصطلح “الصواب السياسي”

لطالما كان الدافع الأصيل وراء السعي نحو “الصواب السياسي” (Political Correctness – PC) نبيلًا ومنطقيًا: تطهير الخطاب العام من كل ما يمت بصلة إلى التمييز الظالم أو التحيز الضيق. فالصواب المنطقي، المتفق تمامًا مع قيم الحق والخير والعدالة، يقتضي تنقية لغتنا من أي تمييز عرقي، أو ثقافي، أو طبقي، أو حتى تمييز جنسي (كالتمييز ضد المرأة)، لأن هذه التفرقة ترتكز على اختلافات بشرية تتعارض مع مبدأ الفضيلة والمساواة وتكافؤ الفرص الذي يجب أن يسود المجتمع الإنساني.
لكن مسيرة هذا المصطلح شهدت انحدارًا اصطلاحيًا وتدهورًا تعريفيًا، حيث اختلطت به توجهات ونزعات أبعدته عن أسسه المنطقية والأخلاقية الأولية، ليصبح في تطبيقاته المعاصرة محل جدل واسع حول التناقض المنطقي الذي شاب مساره.
في بداياته، كان الهدف من الصواب السياسي مركزًا على العدالة الاجتماعية القائمة على أساس المساواة القانونية والاجتماعية بين المجموعات. فمن الطبيعي والمنطقي أن نسعى لتغيير المصطلحات التي تكرّس العنصرية أو تستهين بذوي الإعاقة. إلا أن المصطلح تعرض لعملية توسع مطرد، خاصةً عندما خالطته توجهات اليسار السياسي الجديد، الذي نقل التركيز من قضايا الطبقة والعرق إلى قضايا الهوية المتعددة (Identity Politics).
تحول الصواب السياسي تدريجيًا من مجرد تجنب الإساءة إلى فرض لغة وسلوك إلزامي يخدم أيديولوجيات هوية محددة. هنا بدأ التدهور التعريفي، إذ لم يعد المصطلح يعبر عن التزام أخلاقي عام، بل أصبح في نظر كثيرين يمثل أداة قسرية لإسكات الأصوات المخالفة، تحت طائلة الاتهام بالتعصب أو عدم التسامح.
يكمن التناقض الأكبر الذي طرأ على مسيرة الصواب السياسي في موقفه من قوانين الطبيعة ومنطق التطور البشري. إن القوانين التي رسختها الطبيعة على مدى ملايين السنين من التطور، كقانون الثنائية الجنسية (ذكر/أنثى) وضرورة التكاثر لضمان بقاء النوع، لم تنشأ إلا لخدمة الصالح العام للنوع البشري واستمراره.
لكن الصواب السياسي المعاصر، في اندفاعه نحو إشاعة مفاهيم مثل تعدد الهوية الجندرية والعبور الجنسي، يرتكز على منطق مختلف جذريًا:
– التعظيم المطلق لحرية الفرد: تروج هذه التوجهات لقيمة الفردانية المطلقة، مانحة إياه الحرية في تغيير ما رسّخته الطبيعة بشكل أساسي (كالهوية البيولوجية والجندرية). هذا يمثل خروجًا صارخًا على المبدأ الطبيعي القائم على أن “الفرد في خدمة النوع”، حيث يصبح إرضاء الأهواء والميول الفردية المتخمة بـ الأنانية والدوران حول الذات هو الهدف الأسمى، حتى لو كان ذلك يتعارض مع المنطق البيولوجي لاستدامة الجنس البشري.
– التناقض بين الخطاب والممارسة: من المفارقات العجيبة أن نجد دعاة “الصواب السياسي” المعاصرين هم أنفسهم من يدعون إلى العودة إلى الطبيعة، ومحاربة التلوث والتغير المناخي، انتصارًا منهم “لأمّنا الطبيعة” (Mother Nature). لكنهم في الوقت ذاته يدعون إلى تبني سياسات تدافع عن ممارسات “غير طبيعية” تتعارض مع قوانين التطور البيولوجي والوظيفي للنوع، وهي ممارسات قد تقود على المدى البعيد إلى تهديد استدامة الجنس البشري.
لقد انحرف الصواب السياسي عن مساره الأصلي الذي كان يهدف إلى العدالة الأخلاقية، وهي قيمة منطقية وإنسانية بامتياز. وبدلًا من ذلك، تم قسره على خدمة توجهات فردانية راديكالية تتجاوز مبدأ المساواة لترقى إلى مستوى تجاوز القوانين البيولوجية للطبيعة.
إن مستقبل الحياة البشرية على الأرض يستوجب الالتزام بالقيم المنطقية التي تقوم عليها الطبيعة. الصواب السياسي الحقيقي يجب أن يكون متسقًا مع:
– العدالة الإنسانية: بمكافحة التمييز العنصري والاجتماعي والجنسي (بين الرجل والمرأة).
– المنطق البيولوجي: باحترام القوانين الأساسية التي تضمن بقاء واستدامة النوع البشري.
عندما يصبح “الصواب” السياسي مرادفًا لـ “قبول التجاوز على الطبيعة” فقط لإرضاء الميول الفردية، فإنه يفقد شرعيته المنطقية والأخلاقية، ويتحول إلى مجرد أيديولوجيا قسرية تبتعد عن الصالح العام للجنس البشري لصالح نفرٍ منحرف عن جادة الطبيعة.

أضف تعليق