
لم يعد السؤال عن الحقيقة اليوم سؤالًا ميتافيزيقيًا كما كان عند أفلاطون أو ديكارت، بل صار سؤالًا اجتماعيًا: كم مرة تمت مشاركتها؟ وكم نالت من الإعجابات؟
لقد تحوّلت الحقيقة في عصر التواصل الرقمي إلى منتَجٍ بصريٍّ سريع الزوال، يستهلكه الجمهور كما يستهلك آخر صيحات الموضة. ما يُحدّد قيمة الفكرة لم يعد صدقها أو قوتها البرهانية، بل قدرتها على أن “تنتشر”.
ومن هنا تأتي المفارقة التي تصوغها المقولة: هل يمكن للحقيقة أن تصبح ترنداً؟ أي هل يمكن لما هو جوهريّ وثابت أن يخضع لقانون العابر والمتقلب؟
الحقيقة، في جوهرها، ليست تابعة للزمن بل حاكمة عليه.
إنها لا تزداد صحةً إذا قبل بها الناس، ولا تفقد قيمتها إن هجروها. فحين تصبح الحقيقة مرهونةً بالإقبال الجماهيري، نكون قد نزعنا عنها صفتها الجوهرية وحوّلناها إلى سلعة رمزية تخضع لآلية السوق.
وهكذا يتبدّى الخطر الأكبر في ثقافة “الترند”: أنها تنزع القداسة عن الفكر وتستبدلها بالشهرة، وتنزع العمق لتحلّ محله السرعة.
تاريخ الفكر الإنساني هو صراع بين الحقيقة والرأي (doxa).
لكن ما يحدث اليوم هو أن الرأي لم يَعُد مجرد نقيضٍ للحقيقة، بل صار هو المعيار الجديد لها. فكل ما يتكرر في فضاء المنصات يُعَدّ صادقًا، وكل ما يُخالف المزاج الجماهيري يُلغى قبل أن يُفكَّر فيه.
بهذا المعنى، يعيش الإنسان المعاصر داخل ما يمكن تسميته بـ “استبداد اللحظة”، حيث لم يعد العقل يسعى لاكتشاف الحقيقة، بل إلى صناعة أثرٍ لحظيٍّ يُثير التفاعل.
فقد أُفرغت الحقيقة من بعدها الأنطولوجي لتصبح “مشهداً” في سيل الصور والمقاطع، حقيقة افتراضية بلا ثقلٍ وجودي.
لم تعد الجماهير تتبع من يقول الحق، بل من يُجيد إخراجه على نحوٍ جذّاب.
إنها مرحلة جديدة من التزييف: مرحلة الصدق المزيَّف.
تلك التي يتقن فيها البعض فنّ القول لا لأنهم عرفوا، بل لأنهم أدركوا “خوارزمية الانتباه”.
وهنا يفقد الفكر استقلاله ويتحوّل الفيلسوف إلى “مؤثّر” يتحدّث بلسان الجماهير كي يحظى برضاها، فيغدو أشبه بمغنٍّ يُؤدّي أنغامًا تطرب السمع لكنها لا تُوقظ الضمير.
بهذا المعنى، تصبح الحقيقة في زمن الترند نوعاً من الهرطقة، لأنها ترفض أن تُختزل في ما هو قابل للمشاركة الفورية.
إن مقاومة هذه العبودية لا تكون بالانسحاب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الفكر والجمهور.
على الفيلسوف والمفكر أن يُعيد للحقيقة مكانتها خارج منطق السوق، وأن يُذكّر بأن الفكر الجادّ لا يقاس بالانتشار، بل بعمق الأثر الذي يتركه في وعي الإنسان الفرد.
فالحقيقة لا تنتظر تصفيق الجماهير، بل تكفيها شهادة الوجدان الذي أدركها.
وفي هذا المعنى العميق، يمكن القول إن الحقيقة ليست ترنداً، بل امتحاناً مستمراً لضمير الإنسان.
قد يزول الترند في ساعات، لكن الحقيقة لا تعرف السقوط لأنها لا تُقاس بالزمن.
فهي ليست موضة تُستهلك، بل نورٌ يُهتدى به.
ولذلك، حين نرى الناس يُقبلون على فكرة كما يُقبلون على موضة، ينبغي أن نسأل أنفسنا:
هل نعيش عصر الحقيقة، أم عصر محاكاتها؟
