بين الإنسان والطبيعة… وهم السمو الفلسفي ومزالق التبرير الوجودي

منذ فجر الفلسفة، والإنسان يسعى إلى تعريف ذاته بتمييزها عن الحيوان. غير أن هذا السعي، الذي بدأ كتأمل مشروع في ماهية الإنسان، انقلب في القرون الأخيرة إلى نزعة ميتافيزيقية تُحمِّل “الاستثنائية البشرية” ما لا تحتمل، حتى غدت الفلسفة في كثير من أطروحاتها مرآة لتقديس الإنسان لا لتفكيكه.
إن خطورة هذا التوجّه تكمن في تحويل الظواهر البشرية الشاذة عن النظام الطبيعي إلى أدلة على سموّ الإنسان وتفوّقه، بدلاً من أن تُقرأ بوصفها أعراضًا على انقطاع الإنسان عن انتظام الطبيعة ونسقها الصارم.
تغذّي الفلسفات الإنسانية الحديثة، منذ عصر النهضة وحتى الوجودية، فكرة أن الإنسان كائن يرفض الحتميات ويتجاوزها. هذه الفكرة، التي بدت ثورية في سياقها التاريخي، تحوّلت إلى أداة لتبرير كل انحراف عن النظام الطبيعي، حتى في أكثر ميادين السلوك التصاقًا بالغريزة: الممارسة الجنسية.
فبدلاً من أن يُرى الانفلات الجنسي بوصفه اضطرابًا عن النسق الحيوي، أصبح عند بعض الفلاسفة علامة على “التحرر الوجودي” و”الرغبة في التسامي” transcendance”.
قدّم المفكر الإنجليزي كولن ولسن في كتابه حول أصول الدافع الجنسي قراءة فلسفية لتنوّعات السلوك الجنسي عند الإنسان، حاول من خلالها تفسير الممارسات الشاذة لا كأعراض انحراف، بل كإشارات على توق الإنسان إلى تجاوز المحدود والمألوف.
رأى ولسن في هذا الحيود عن النظام الطبيعي دليلاً على “نزعة إنسانية نحو الكمال”، لا على اختلال في التوازن الحيوي.
وهنا تكمن الإشكالية الفلسفية الخطيرة في مشروع ولسن: فبدلاً من أن يفسر الظاهرة في ضوء علم الأحياء التطوري والنظام العصبي، راح يفسّرها بمقولات ميتافيزيقية مثل “اللامنتمي” و”التوق إلى المطلق”، ناسفًا بذلك الفاصل بين التحليل الفلسفي والتبرير الأخلاقي.
من منظور علم الأحياء، يمكن قراءة الشذوذ الجنسي وبعض الانحرافات السلوكية بوصفها تحويلات (Detours) تطورية فرضت على النوع الإنساني مسارات جانبية لم تكن في “مخطط الطبيعة الأصلي”.
فهي ليست أدلة على سمو الإنسان، بل علامات على انقطاعه عن انتظام الطبيعة، وعلى فشل جزئي في التكيّف مع حدودها.
إن النظر إلى هذا الحيود بوصفه فعل حرية هو، في الواقع، تغليف فلسفي لفقدان الانسجام البيولوجي، أي تغليف لمرض الوجود الحديث الذي يخلط بين التمرّد الوجودي والخلل الوظيفي.
إن المبالغة في تبجيل الإنسان، وإحاطة سلوكه بهالة من السمو الفلسفي، تحجب عنا إمكانية فهمه علميًا وواقعيًا.
فالإنسان كائن مدهش لا لأنه تجاوز الطبيعة، بل لأنه ما زال يعيش بين مطرقة الحيوانية وسندان الوعي، عالقًا في برزخ التطور لم يكتمل بعد.
لذلك، فإن إعادة الإنسان إلى موقعه الطبيعي، بوصفه جزءًا من منظومة كونية لا مركز لها، هو شرط لفهمه على نحوٍ أعمق، وأكثر اتساقًا مع قوانين الوجود لا ضدّها.
ما أخطأ فيه كولن ولسن، وأخطأت فيه الفلسفة المتمركزة حول الإنسان، هو الخلط بين السموّ الأخلاقي والحيود البيولوجي، وبين تجاوز الحتمية والتعالي على الطبيعة.
فالإنسان ليس إلهًا صغيرًا يتحدى الطبيعة، بل كائن تحاول الطبيعة من خلاله أن تعي نفسها — لكنّها لم تبلغ ذلك بعد.
وحين نحمّله فوق طاقته، ونقوم بتأويل نواقصه، فإننا لا نعظّمه، بل نحكم عليه بالاغتراب الأبدي عن ذاته وعن الكون الذي أنجبه.

أضف تعليق