
يُعدّ الفيلسوف والموسيقي الفرنسي فلاديمير جانك لافيتش (Vladimir Jankélévitch) أحد الأصوات الفلسفية الأكثر فرادة في القرن العشرين، حيث أسس مشروعه المعرفي على مفاهيم الزمن، والموت، والـ”لا-شيء تقريباً” (Le Presque-Rien). لم يكن إنجازه مجرد إضافة جديدة للمشهد الفلسفي، بل كان بمثابة تحدٍ وجودي ومعرفي للأسس التي قامت عليها الفلسفات الكلاسيكية والتحليلية على حد سواء، لا سيما في مقاربة التجربة الإنسانية العصية على التعبير.
تحدي حدود اللغة: صراع جانك لافيتش مع منطق فيدغنشتاين
يكمن الجوهر الإشكالي في مقاربة جانك لافيتش المعرفية في إصراره على أن هناك ما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، لا لقصور في قدرتنا البلاغية فحسب، بل لأن هذا “اللا-شيء تقريباً” – الذي يشمل أحاسيس اللوعة، والحبور، والفرح الشديد، والقنوط، والندم – يكمن في قلب الوجود الإنساني دون أن تستطيع اللغة أن تحيط به. هذه النقطة تشكل تعارضًا معرفيًا جذريًا مع ما شدد عليه الفيلسوف التحليلي لودفيغ فيدغنشتاين في كتابه الشهير “مقالة منطقية فلسفية” (Tractatus Logico-Philosophicus)، والذي نص على أن: “كل ما يمكن التفكير فيه قابل لأن يتم التعبير عنه بكلام قابل للفهم”.
بالنسبة لفيدغنشتاين، تنتهي حدود الفلسفة حيث تنتهي حدود اللغة؛ فما لا يمكن التعبير عنه بوضوح منطقي لا يستحق أن يُقال أو يُفكر فيه بشكل “فلسفي”. أما جانك لافيتش، فينطلق من الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا) والوجودية ليؤكد أن الجوهر الحقيقي للتجربة الإنسانية يكمن تحديدًا في الفجوات الصامتة التي تتركها اللغة. فالمشاعر، واللحظة، والندم، كلها لا يمكن أن تُختزل في قضية منطقية أو جملة واضحة؛ هي “موسيقى” الوجود التي لا يمكن ترجمتها إلى “نوتة” لغوية كاملة. هذا الإصرار على “صمت” الأهمية الوجودية هو ما جعل جانك لافيتش يلتجئ إلى الموسيقى كـلغة موازية قادرة على ملامسة ما عجزت اللغة المنطقية عن قوله.
الموت كـ”سر مطلق”: تباين الرؤى مع “إنكار الموت”
يُشكّل مفهوم الموت أحد المحاور الأساسية في فلسفة جانك لافيتش، حيث يراه “السر المطلق” الذي لا يمكن إدراكه أو التفكير فيه بالكامل. هذا التصور يختلف جوهريًا عن المعالجة التي قدمها عالم الأنثروبولوجيا إرنست بيكر في كتابه الرائد “إنكار الموت” (The Denial of Death).
بيكر يرى أن الخوف من الموت هو الدافع الأساسي الذي يحرك الحضارة الإنسانية. فالإنسان يلجأ إلى آليات إنكار (كالبطولة الثقافية، أو السعي الخالد) ليخلق “مشروعًا للخلود” يبرر وجوده ويمنحه القيمة. الموت بالنسبة لبيكر هو صدمة نفسية يسعى الإنسان دائمًا لتخطيها أو تجاوزها من خلال الأيديولوجيات والمؤسسات.
في المقابل، يذهب جانك لافيتش إلى أن الموت ليس مجرد خوف أو صدمة نفسية، بل هو الحد الذي يمنعنا من “معرفة” وجودنا بشكل كامل. الموت هو مفارقة زمنية: فنحن نعيش ونمضي نحو ما لا يمكننا إدراكه. إنّه السر الذي يبقى سرًا؛ لا يمكننا أن ننكره (كما يرى بيكر)، ولا يمكننا أن نفكك شفرته منطقيًا (كما يرى فيدغنشتاين)، بل يجب علينا أن نعيش في حضوره الغامض لأنه يمنح الحياة خصوصيتها وفرادتها. الموت لا يُحل، بل يُـعاش كجزء من جمالية الـ “لا-شيء تقريباً” التي تُشكل وجودنا.
خلاصة المشروع: فرادة التجربة الإنسانية وضرورة الفلسفات الجديدة
إن خلاصة المشروع المعرفي لجانك لافيتش تكمن في تركيزه على فرادة واستثنائية التجربة الإنسانية، تلك التجربة التي عجزت الفلسفات الكلاسيكية التقليدية – بتقسيماتها الصارمة وحدودها اللغوية والمنطقية – عن أن تُقدّرها حق قدرها. لقد أدرك جانك لافيتش أن التعبير عن الجوهر الأخلاقي والوجودي للـ”أنطولوجيا العابرة” يتطلب أدوات فلسفية تتجاوز الإطار المألوف.
إن لجوء جانك لافيتش إلى الفلسفة الظاهراتية والفلسفة الوجودية لم يكن مجرد اختيار منهجي، بل كان ضرورة وجودية. لقد مكنته هذه المقاربات من التركيز على العيش المُعاش (Vécu)، على اللحظة الآنية، وعلى أسرار الحياة اليومية مثل الندم والعفو، مما يؤكد أن المنطق وحده ليس كافيًا لفهم العالم.
في النهاية، يذكّرنا إنجاز جانك لافيتش بضرورة وجوب أن نقارب التجربة الإنسانية الفريدة بفلسفات جديدة تتسم بالمرونة والجرأة. فلسفته هي دعوة للاحتفاء بما هو عابر، وخفي، ولا يُنطق به، ولتقدير العمق الذي يختبئ في “اللا-شيء تقريباً” الذي يحيط بنا ويُشكلنا.
