نحو إبستمولوجيا جديدة… من عجز المعرفة إلى ثورة الوعي

تتوالى المؤشرات في حقول الفيزياء والبيولوجيا وعلم النفس والأنثروبولوجيا لتُثبت أن الإبستمولوجيا السائدة قد بلغت حدودها القصوى. فقد وُلدت هذه الإبستمولوجيا في سياقٍ جعل من الظواهر القابلة للقياس المخبري معيارًا وحيدًا للحقيقة، حتى غدت المعرفة رهينة لما يمكن للعقل أن يحيط به من ظواهر المادة. غير أن هذا الإطار الميكانيكي للعقل لم يَعُد قادرًا على تفسير طيفٍ واسعٍ من الظواهر الوجودية التي تُطلُّ من وراء الأفق العلمي المألوف، تلك التي نُسِبت على عَجل إلى “الخارق” أو “اللامعقول” فقط لأنها استعصت على أدوات القياس الحالية.
إن هذا الإخفاق ليس عارضًا، بل بنيويًّا في صلب نظرية المعرفة الحديثة. إذ تَوهَّمت هذه الأخيرة أنها جاءت لتقويم الأدوات الاستعرابية للإنسان وتشذيبها من الأوهام الميتافيزيقية، فإذا بها تستبدل تلك الأوهام بأوهامٍ جديدة: أوهام الحتمية، والمادية، والتجريبية المطلقة. ومن ثمّ، حَكمت –من دون سندٍ معرفي– باستحالة وجود ظواهر لا تخضع لقوانينها، مع أن وظيفتها الأصلية كانت أن تظل مفتوحةً على المجهول، لا أن تُغلق أبوابه بذرائع المنهج. لقد تحوّل “المنهج” إلى عقيدة، والإبستمولوجيا إلى أيديولوجيا علمية ترفض الاعتراف بما لا تستطيع تفسيره.
تستدعي هذه المفارقة تأسيسَ إبستمولوجيا جديدة، لا لتُنكر العلم أو تُنقض أدواته، بل لتتجاوز ضيق أفقه المفهومي. إبستمولوجيا قادرة على أن تتعامل مع الظواهر الخارقة بوصفها إمكاناتٍ معرفية لا تهديداتٍ منهجية، وأن تضع لها إطارًا بحثيًّا لا يستبعدها لمجرد مخالفتها للنماذج المألوفة. فالمعرفة التي تُقصي الظواهر قبل التحقق منها تنقض ذاتها، لأنها تنفي إمكان التجربة التي هي مصدرها الأول.
إن قيام إبستمولوجيا جديدة لن يكون مجرد إصلاح في أدوات القياس أو تعديل في المفاهيم، بل ثورة معرفية شاملة تُعيد النظر في منطلقاتنا النظرية حول الوعي، والطاقة، والحياة، والمادة. فإذا أُثبتت بعض هذه الظواهر “الخارقة” وفق ضوابط المنهج العلمي الصارم، فإن ذلك سيقلب البنية التحتية للمعرفة البشرية رأسًا على عقب. ستُعاد كتابة مفاهيم الفيزياء الحيوية، وتُراجع المسلَّمات الفسيولوجية، وتُعاد صياغة العلاقة بين العقل والكون في ضوء انفتاحٍ جديد للعلم على الغيب، لا بوصفه نقيضًا له، بل امتدادًا له.
إن الإبستمولوجيا الجديدة لن تقوم على نفي المعلوم، بل على احتضان المجهول. فهي لا تدعو إلى هدم العلم، بل إلى تحريره من انغلاقه على ذاته. وحين تجرؤ المعرفة على النظر في ما وراء أدواتها، وتعيد مساءلة مبادئها لا موضوعاتها فقط، عندها فقط يمكن القول إن عصرًا جديدًا من العلم قد بدأ، عصرًا لا أحد يعلم ما الذي سيأتي به، لأن أولى سماته أنه لن يُقصي شيئًا من الوجود.

أضف تعليق