
يمثّل القرآن الكريم بنيةً معرفية متكاملة لا تتجزّأ، إذ يقوم الخطاب الإلهي على وحدةٍ عضوية تجعل آياته يُفسّر بعضُها بعضًا. ومن هنا، فإن أيّ تعاملٍ انتقائي مع النصّ القرآني — إيمانًا ببعضه وكفرًا ببعضه — يُفضي بالضرورة إلى تشويه دلالاته وتفكيك وحدته المعنوية التي أرادها الله تعالى.
لقد أنكر القرآن هذا النمط من التعامل مع الوحي، كما في قوله تعالى:
(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ…) (البقرة: 85).
وهذا الإنكار لا يقتصر على بني إسرائيل الذين نزلت الآية فيهم، بل يشمل كلّ مَن يسلك سبيلهم في التعامل الانتقائي مع النصّ، من أيّ أمة أو زمن. فكلّ قراءةٍ تُجزّئ الخطاب القرآني وتغفل سياقه الكلي، إنما تُعيد إنتاج ذات الخطيئة التأويلية التي أدانها القرآن.
القرآن لا يبيح للقارئ أن يستخلص حكمًا من آيةٍ واحدةٍ دون النظر في نظائرها ومكمّلاتها. فالمنهج القرآني نفسه يوجّه إلى القراءة التجميعية التي تستنطق كلّ ما ورد في الموضوع الواحد قبل إصدار الحكم.
ومن هنا جاء قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف: 2–3).
فالآية تذكّر بأن القول لا ينفصل عن الفعل، كما لا ينفصل الجزء من النصّ عن كليّته. والمعنى الكامن هنا هو أن الصدق مع النصّ لا يتحقّق إلا بصدقٍ مع النفس، إذ إن التجزئة في الفهم ما هي إلا تجزئة في النية.
يُقدّم القرآن مثالًا تطبيقيًا بالغ الدلالة على خطورة القراءة الانتقائية، وهو مثال الأعراب.
فقد ورد في بعض المواضع حملٌ شديد على طائفةٍ منهم:
(الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا…) (التوبة: 97).
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ…) (التوبة: 101).
(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ…) (الفتح: 11).
ولو وقف القارئ عند هذه الآيات فحسب، لحكم على الأعراب كافة بالكفر والنفاق. غير أنّ القرآن نفسه يقدّم في المقابل صورةً مغايرة لأعرابٍ آخرين آمنوا وأخلصوا:
(وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ…) (التوبة: 99).
(مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ…) (التوبة: 120–121).
بهذا التوازن البياني، يُثبت النصّ الإلهي أن التصنيف لا يكون على أساسٍ قبليٍّ أو جغرافي، بل على أساس الإيمان والعمل. فالقرآن يمدح ويذمّ السلوك لا الانتماء، ويقيّم الفعل الإنساني لا الهويّة الاجتماعية.
الإيمان ببعض النصّ وكفر بعضه الآخر ليس مجرّد إنكارٍ لفظيّ، بل قد يتجلّى في صورةٍ أعمق: حين نُعطّل دلالة الآيات أو نُفرغها من مقصدها.
فالذي يرفع آيةً لتبرير نزعةٍ قومية أو فكرية، ويغفل عن الآية المقابلة التي تقيّد معناها أو توازنها، إنما يمارس كفرًا تأويليًا، وإن لم يُصرّح به لسانًا.
وهذا النوع من الكفر العملي هو ما يجعل الإنسان يقع في ذات الخطأ الذي وقع فيه من قبل:
(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ…)
فالكفر ليس دائمًا في الرفض، بل قد يكون في الانتقائية التي تفرّغ الوحي من شموليته وعدله.
إنّ ظاهرة الانتقائية لم تندثر بانتهاء العصور الأولى، بل استعادت حضورها بأشكالٍ جديدة:
انتقائية سياسية: تُستدعى النصوص لتبرير القمع أو فرض الولاء.
انتقائية اجتماعية: تُستخدم الآيات لإدامة التمييز الطبقي أو الجندري.
انتقائية ثقافية: يُقتطع النص ليُخضع لمعايير الحداثة دون روحه الأصلية.
في جميع هذه الأشكال، يجري تفريغ القرآن من نسقه الكلي ليُعاد توظيفه كأداةٍ في يد الإنسان، بدل أن يكون هو المعيار الحاكم على أهوائه.
يقترح القرآن على قارئه منهجًا تكامليًا في الفهم يقوم على:
الربط بين النصوص: فلا تُفهم آية بمعزل عن نظيراتها.
العودة إلى المقاصد العليا: فالخطاب القرآني يوجّه إلى النفس والعقل معًا.
تحرّي العدل والتوازن: إذ العدل مقصد شامل لا يجوز إغفاله في أي تأويل.
وبهذا يصبح فهم القرآن عملاً معرفيًا وأخلاقيًا في آن، لا يتحقق إلا حين يجتمع في القلب صدق الإيمان مع أمانة الفهم.
إنّ من يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعضه، لا يختلف في جوهر فعله عن أولئك الذين أنكر الله عليهم انتقائيتهم في الإيمان.
فمنهج الوحي واحد: إما الإيمان بالكلمة كلّها أو لا إيمان أصلًا.
إنّ مثال الأعراب يثبت أن القرآن لا يُصدر حكمًا مطلقًا على جماعةٍ أو طبقةٍ أو زمان، بل يزن الناس بميزان العمل والإخلاص.
ومن هنا، فإن وحدة الخطاب القرآني ليست مبدأً تفسيرياً فحسب، بل هي موقفٌ وجوديّ من الإنسان أمام ربه: هل يتلقّى الوحي بكماله، أم يختار منه ما يوافق هواه؟
فالإيمان الحقّ لا يقف عند حدود التصديق اللفظي، بل يبلغ مرتبة الاتساق بين ما يُؤمَن به وما يُعمل به. ومن لم يبلغ هذه المرتبة، فقد آمن ببعض القرآن وكفر ببعض — وإن لم يدرِ.
