

منذ تأسيسها في مطلع القرن العشرين، كانت جائزة نوبل للسلام تُقدَّم بوصفها رمزًا عالميًّا للضمير الإنساني ولتكريم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم بين الأمم. غير أن التاريخ الحديث يُظهر أن هذه الجائزة، في كثير من الأحيان، لم تعد تُمنح وفقًا لروح وصية ألفريد نوبل التي نصّت على تكريم من “أسهم أكثر في تقريب الشعوب وإلغاء الجيوش الدائمة”. بل أصبحت أداة رمزية ضمن شبكة التأثير الغربي التي تُعيد إنتاج سردية القوة الناعمة في سياق التنافس الدولي. وقد غدت الجائزة، مع توالي العقود، مرآةً تعكس التحولات في ميزان القوى أكثر مما تعبّر عن انتصارٍ حقيقي لقيم السلم أو الحوار.
تتجلّى هذه الإشكالية بوضوح في منح “ماريا كورينا ماتشادو” جائزة نوبل للسلام. فـ”ماتشادو” ليست شخصية محايدة في سعيها لتحقيق السلام، بل زعيمة معارضة فنزويلية جعلت من إسقاط نظام الرئيس “نيكولاس مادورو” محورًا لنشاطها السياسي. والمفارقة أن مادورو بدوره هو أحد أهم حلفاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القارة الأمريكية الجنوبية. لذا فإن تتويج “ماتشادو” لا يمكن عزله عن السياق الجيوسياسي الذي يشهد تصاعد التوتر بين الغرب وروسيا. فالاختيار هنا ليس تكريمًا لشخصية “سلامية”، بقدر ما هو رسالة سياسية موجَّهة إلى موسكو عبر كاراكاس، تهدف إلى تقويض أحد أذرع النفوذ الروسي في نصف الكرة الغربي. ومن هذا المنظور، يبدو منح الجائزة أقرب إلى عملية اصطفاف رمزي في حربٍ باردة جديدة، منه إلى اعتراف بجهد إنساني مستقل عن محاور الصراع.
إن تكرار هذه الأنماط — من أوباما عام 2009 إلى الصحفية الروسية ماريّا ريسا عام 2021، وصولًا إلى “ماتشادو” — يرسّخ قناعةً مفادها أن جائزة نوبل للسلام لم تعد سوى آلية دبلوماسية ثقافية تُستخدم لإضفاء الشرعية الأخلاقية على خيارات الغرب السياسية. فهي تمنح الغطاء الأخلاقي لحروبٍ تُخاض باسم الحرية، أو لعقوباتٍ تُفرض باسم الديمقراطية. وهكذا يتحوّل مفهوم “السلام” ذاته إلى مفهوم نسبي تحدده القوى المهيمنة وفق مصالحها لا وفق مبادئه الأصلية. إن إعادة الاعتبار للجائزة تقتضي استعادتها إلى الحياد القيمي الذي تأسست عليه، وإلى المعنى الإنساني الذي يتجاوز الاصطفاف السياسي. فسلامٌ تمنحه القوة لا يمكن أن يكون سلامًا، بل انتصارًا رمزيًا يتزيّا بلباس الأخلاق.
