
حين تضيق الأرض بالفكر
لم يعد الخطر الذي يتهدد البشرية اليوم محصورًا في الحروب أو الأوبئة أو الانهيارات الاقتصادية؛ إن الخطر الأعمق هو ذلك الخلل البنيوي في وعي الإنسان بذاته والعالم. لقد بلغنا من العلم مبلغًا لم يبلغه جيل قبلنا، لكننا في المقابل افتقدنا البوصلة المعرفية التي تمنح هذا العلم معنىً وغايةً تتجاوز الاستهلاك والتسلط.
ومن هنا، لم يعد السؤال هو “كيف نعرف؟” بل “لماذا نعرف؟” — وما الذي يجعل هذه المعرفة تستحق أن تُنسب إلى الإنسان لا إلى آلته.
إنها لحظة تاريخية حرجة تستدعي إبستمولوجيا جديدة، لا لتضيف فصلًا إلى تاريخ الفكر فحسب، بل لتفتح بابًا آخر في مسيرة الوعي الإنساني ذاته.
مراجعة البنية المعرفية للحضارة المعاصرة
نشأت حضارتنا الحديثة على أسسٍ معرفيةٍ رسّخت انفصال الإنسان عن الطبيعة، والعقل عن الروح، والعلم عن القيمة.
فالفكر الغربي — رغم إنجازاته العظيمة — وقع في أسر مفاهيم موروثة من ميتافيزيقا الإغريق، ومن براغماتية ما بعد الحداثة، فصارت المنفعة معيارًا للمعرفة، وغدت الحقيقة شيئًا يُقاس بما ينجح في السوق لا بما يضيء الوعي.
من هنا تنبع الحاجة إلى مشروع نقدي شامل، يعيد فحص هذه الأسس لا بهدمها بل بإصلاحها من الداخل؛ أي بإعادة وصل المعرفة بمصدرها الأخلاقي، والعقل بضميره الكوني، والعلم بغاية الإنسان الكبرى.
الإنسان بين الطبيعة والرمز
إن محور المشروع هو الإنسان، لا باعتباره كائنًا متفوّقًا بيولوجيًا، بل باعتباره الكائن الوحيد القادر على أن يتجاوز طبيعته ليفهمها.
لقد خرج الإنسان من رحم الحيوان، لكنه لم يخرج من دائرة الصراع معه بعد. لا تزال نزعة السيطرة والأنانية والعدوان تحكم علاقته بالعالم، فيما يخبو فيه الوعي الرمزي الذي ميّزه عن سائر الكائنات.
إن فهم هذا التناقض هو المدخل لإعادة تعريف “الإنسانية” لا كهوية، بل كمسؤولية معرفية. فكل معرفة لا تُفضي إلى تهذيب الوعي بالوجود إنما هي انحطاط آخر للإنسان، ولو بلغت أوج التقدم التقني.
اللغة بوصفها ذاكرة الوعي
في قلب هذا المشروع ينبض التأثيل اللغوي، لا كمجرد بحث في الأصول الصوتية للكلمات، بل كرحلة في الذاكرة الحضارية للإنسان.
فالكلمة ليست صدفة صوتية، بل أثرٌ من آثار الوعي الأول. ومن خلال اللغة يمكننا أن نعيد بناء خريطة التجربة الإنسانية المشتركة التي سبقت انقسامات الأمم واللغات.
ذلك أن كل جذر لغوي يحمل داخله حكاية الإنسان الأولى مع المعنى، وحين نعيد اكتشاف هذه الحكاية، نقترب من إعادة فهم ذاتنا الأولى.
إعادة قراءة النص المقدّس بعقل تحليلي وروح كونية
لا يمكن لأي مشروع معرفي شامل أن يتجاهل النصوص المؤسسة للوعي الإنساني، وفي مقدمتها القرآن الكريم.
لكن القراءة المطلوبة ليست قراءة لاهوتية أو جدلية، بل قراءة عقلانية تحليلية تتعامل مع النص باعتباره بنية معرفية كونية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
بهذه القراءة، يتحول النص من موضوع إيمان إلى أفق تفكير، ومن مصدر أحكام إلى منهج فهم للوجود.
فالإلهي لا يُدرك إلا بقدر ما يُعقل، والعقل لا يكتمل إلا بقدر ما يتطهّر من أوهام المعرفة.
نحو جماعة بحثية إنسانية جديدة
هذا المشروع لا يمكن أن ينهض بجهد فردي، بل يحتاج إلى تحالفٍ من العقول القلقة والقلوب الصادقة؛ أولئك الذين يشعرون بأن حضارتنا بلغت من التقدم ما يجعل سقوطها أكثر مأساوية.
إنه نداء إلى الباحثين الشباب الذين لا يجدون أنفسهم في المعسكرات الفكرية القديمة — بين مادية جامدة وروحانية هاربة — ليكونوا النواة الأولى لإبستمولوجيا إنقاذية.
إبستمولوجيا ترى في الإنسان كائنًا معرفيًا أخلاقيًا، وفي العلم مسؤولية لا سلاحًا، وفي الحقيقة غاية لا أداة.
ولادة الوعي من رماد المعرفة
ربما لا يُكتب لنا أن نرى نتائج هذا المسعى في حياتنا، لكن التاريخ لا يصنعه الطامحون للنتائج، بل المؤمنون بالمسار.
ولعلنا، ونحن نعيد النظر في أسس فكرنا، نكون نشارك في كتابة فصل جديد من سيرة الإنسان — فصلٍ يكتشف فيه أن خلاصه لا يكون بالعلم وحده، ولا بالإيمان وحده، بل بالمصالحة الكبرى بينهما.
