آن أوان التعريف بمشروعي المعرفيمن التأمل الفردي إلى الدعوة الجماعية لتأسيس وعي جديد

ثمّة لحظةٌ في حياة كل مفكّر تُشبه اكتمال الدائرة؛ لحظة يدرك فيها أن ما ظلّ يكتبه ويفكّر فيه طوال سنواتٍ لم يكن إلا مقدماتٍ متفرّقة لشيءٍ أكبر منه، أوسع من ذاته، وأعمق من قدراته الفردية.
تلك اللحظة هي التي أعيشها الآن — اللحظة التي تدفعني إلى القول بثقةٍ وهدوء: آن أوان التعريف بمشروعي المعرفي.
لم يعد ما أنجزتُه حتى الآن مجرّد محاولاتٍ فكرية متفرقة أو قراءاتٍ تحليلية منعزلة، بل صار يشكّل منظومةً تتبلور ملامحها شيئًا فشيئًا، حتى غدت تستدعي التعريف بها كمشروعٍ له رؤيته ومحاوره وأهدافه ومقاصده.
مشروعٍ لا يبتغي التفرد، بل يطمح إلى تأسيس تيارٍ معرفيٍّ مفتوحٍ للباحثين القلقين على مصير الإنسان، أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن الفكر قادرٌ على أن ينقذ العالم من نفسه.
يبدأ مشروعي من الإحساس العميق بأن حضارتنا المعاصرة، رغم كل ما حققته من تفوقٍ علميٍّ وتقنيٍّ، قد شاخت معرفيًا.
لقد انحرفت بوصلتها، حتى باتت تقيس الحقيقة بالمنفعة، والعقل بالفعالية، والإنسان بالإنتاج.
ومن هنا كانت الحاجة الملحّة إلى مراجعةٍ جذريةٍ لأسسها الإبستمولوجية — أي للأسئلة التي قامت عليها، وللأجوبة التي لم تَعُد تُقنع الوعي المعاصر.
إن مشروعي يسعى إلى تحرير المعرفة من عبودية البراغماتية ومن ضيق الأيديولوجيا، وإعادتها إلى معناها الأصيل: بحث الإنسان عن معنى وجوده في الكون، لا بحثه عن أدواتٍ لامتلاك الكون.
أطمح إلى ما أُسميه “الإبستمولوجيا الإنقاذية” — منظومة معرفية جديدة تعيد بناء علاقة الإنسان بالعالم والعلم والقيمة.
فالعلم بلا ضميرٍ ماضٍ إلى الهلاك، والإيمان بلا عقلٍ ماضٍ إلى العمى.
أما “الإبستمولوجيا الإنقاذية” فغايتها استعادة التوازن المفقود بين الطرفين:
أن يتصالح العلم مع الحكمة، والعقل مع الرحمة، والإنسان مع ذاته.
هذه ليست دعوةً إلى التوفيق الهشّ بين المتضادّات، بل إلى إعادة صياغة المفاهيم الكبرى التي تحكم فكرنا — “العقل، الحقيقة، اللغة، الإنسان، الغيب، الطبيعة” — ضمن نسقٍ معرفيٍّ جديدٍ يرى في الكائن الإنساني مشروعَ وعيٍ مفتوح، لا مركزًا متعاليًا على العالم ولا كائنًا ذائبًا فيه.
يتكوّن هذا المشروع من سبعة محاور مترابطة تشكّل بنيته الكلية:
نقد الأسس المعرفية للحضارة الحديثة
مراجعة العقل الأداتي والبراغماتي وتفكيك الدوجما الإغريقية التي تسكن فكرنا الحديث.
الأنثروبولوجيا الفلسفية للإنسان
دراسة الإنسان ككائن رمزيّ خرج من الطبيعة ليصنع المعنى، لا ليحكمها.
فلسفة اللغة والتأثيل الوجودي
إعادة قراءة اللغة بوصفها ذاكرة الوعي الإنساني ومرآة تطوره الشعوري والمعرفي.
التفسير العقلي التحليلي للنص القرآني
قراءة النص المقدّس كمنظومة معرفية كونية تنير فهم الإنسان لذاته والوجود.
الفكر الحضاري والنقد ما بعد الكولونيالي
تفكيك المركزية الغربية في الوعي العالمي واستعادة التوازن المعرفي شرقًا وغربًا.
الذكاء الاصطناعي كمرآة للإنسان
دراسة التقنية الحديثة كأداة تكشف حدود وعينا لا كبديل عنه.
الميتافيزيقا الجديدة للوعي
محاولة عقلنة الغيب واستعادة الروح في قلب مشروع الحداثة.
إنني أؤمن أن الفكر الحقيقي لا يعيش في عزلة، وأنّ كلّ مشروعٍ إنساني لا يكتمل إلا حين يتحول إلى جماعة تفكيرٍ حيّة.
لذلك، لا أقدّم هذا المشروع بوصفه “نظرية” مكتملة، بل بوصفه دعوة مفتوحة لكلّ من يشعر بالخوف الأصيل على مصير البشرية من أن تفقد إنسانيتها وسط صخب التقدم التقني والهيمنة المادية.
إنها دعوة إلى الباحثين، إلى من ما زالوا يؤمنون بأن الحقيقة تستحق أن تُبحث لا لأنها نافعة، بل لأنها تنقذ الإنسان من جهله بعلمه، ومن غروره بوعيه.
وأنا على يقين أن كلّ عقلٍ صادق، وكلّ سؤالٍ شريف، وكلّ تجربةٍ فكريةٍ مخلصة، يمكن أن تشكّل لبنةً في هذا البناء الجماعي.
لذلك أقول اليوم، لا باعتزازٍ شخصي، بل بمسؤولية فكرية:
لقد آن أوان التعريف بمشروعي، لأنه لم يعد يخصّني وحدي.
إنه ملكٌ لكلّ من يرى أن الفكر لا يزال يملك القدرة على التغيير، وأن الإنقاذ يبدأ من مراجعةٍ جذريةٍ لما نظنّه ثابتًا.
فالمعرفة ليست ميراثًا نتلقاه، بل أفقٌ نصنعه.
وحين ندرك أن الحقيقة لا تكتمل إلا بتعاون العقول والقلوب، نكون قد بدأنا بالفعل أولى خطواتنا نحو وعيٍ جديدٍ — وعيٍ قادرٍ على أن يُنقذ العالم من نفسه.

أضف تعليق