
منذ أن وعى الإنسان ذاته، ظلّ الفنّ واحدًا من أنبل محاولاته للاتصال بما يتجاوز الماديّ والآنيّ في الوجود. غير أنّ هذه الوظيفة الروحية للفنّ اتخذت أبعادًا فلسفية مختلفة في ضوء التجارب التاريخية العاصفة التي عاشتها الإنسانية الحديثة. ففي مطلع القرن العشرين، ومع تصاعد الحروب وانهيار المثاليات، ظهر اتجاه جديد يرى في الفنّ ليس مجرّد وسيلة للتعبير الجمالي، بل أداةً للارتقاء الأخلاقي والروحي بالإنسان. وكان من أبرز ممثليه فاسيلي كاندينسكي ونيكولاس روريخ.
رأى كاندينسكي أنّ العالم الماديّ بما فيه من ضجيج وتشييء للإنسان قد أفقد الروح جوهرها، وأنّ مهمة الفنان هي إعادة وصل الإنسان بجذره الروحي من خلال الفنّ الخالص، المجرد من المادية والتمثيل. في كتابه حول الروحانية في الفن (1911)، دعا كاندينسكي إلى تحرير اللوحة من عبودية الموضوع، معتبرًا اللون والشكل لغةً قادرة على التأثير المباشر في روح الإنسان.
في تصوره، الفنّ ليس زينةً للحياة، بل هو طقس تطهير داخلي. واللوحة ليست انعكاسًا للعالم الخارجي، بل هي نافذة نحو الباطن الإنساني. ومن هنا كان الفنّ عنده وسيلة تربية أخلاقية، لا بالوعظ، بل بالإيقاظ: إيقاظ الروح النائمة في الإنسان الحديث.
أما نيكولاس روريخ، فقد وسّع هذه الرؤية لتشمل البعد الاجتماعي والكوني للفنّ. فقد رأى أنّ الفنّ يمكن أن يكون الجسر الأعظم بين الشعوب، وأنه اللغة الوحيدة التي لا تعرف حدودًا. من هنا جاءت مبادرته لإنشاء “معاهدة روريخ” (1935)، التي دعت إلى حماية الأعمال الثقافية والفنية زمن الحرب باعتبارها تراثًا إنسانيًا مشتركًا.
روريخ، المتأثر بالروحانية الشرقية واليوغا والفكر البوذي، اعتبر أن الجمال هو أقدس طاقة قادرة على تغيير العالم. فالفنّ، في رؤيته، ليس ترفًا ثقافيًا بل رسالة خلاص، وممارسة سلمية تُعيد إلى الإنسان ذاكرته الماورائية، وتجعله يدرك وحدته مع الكون. وهكذا، يصبح الفنان عنده رسول سلام، لا رسامًا فحسب.
ينبثق تباين الرؤيتين من خلفيتين فكريتين مختلفتين:
كاندينسكي يستمد روحه من التصوف المسيحي والفكر المثالي الألماني (خاصة شيلر وهيغل)، حيث الفن انعكاس للروح المطلقة في المادة.
روريخ يستمد إلهامه من الفلسفات الهندية والبوذية، حيث الجمال طريق للتحرر من دورة الألم والكراهية.
لكن كلاهما يتفق على أن الفنّ أداة خلاص، وأن الجمال قوة أخلاقية. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن كاندينسكي ركّز على الخلاص الداخلي للفرد، بينما رأى روريخ الخلاص في السلام الجماعي للبشرية.
في زمنٍ تُقاد فيه الحروب بأسماء العقائد والمصالح، حاول كاندينسكي وروريخ أن يقدّما للفن دورًا إنسانيًا جديدًا: أن يكون بديلاً عن العنف، ووسيلة لتطهير الوعي من دنس العدوان. لكن هل يكفي الجمال وحده لإيقاف الحرب؟
كلا المفكرين أدركا أن ميل الإنسان إلى الحرب عميق الجذور، يكاد يكون فطريًا، وأن أيّ مشروع سلام لا يبدأ من تطهير النفس الفردية سيكون مشروعًا مؤقتًا. فالفنّ، رغم طاقته الروحية، يظلّ عاجزًا عن اقتلاع جذور العدوان ما لم يُستمدّ من مصدرٍ فوق بشريٍّ قادرٍ على شفاء أصل الداء.
إنّ الطهارة الأخلاقية التي حلم بها كاندينسكي وروريخ لا يمكن أن تتحقق ما لم يتعهد الإنسان نفسه بالإصلاح وفق منظومة تأتي من خارج مدار وعيه المحدود — منظومة إلهية مصدرها الخالق ذاته. فالعقل البشري الذي صنع الجمال هو ذاته الذي اخترع الحرب، ولن يستطيع وحده أن يضع حدًا لجنونه. لذلك، فإن العلاج الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا بما وصفه الله للإنسان من سبيل تزكيةٍ وتطهيرٍ ربانيٍّ، يعيد إليه التوازن بين فكره وروحه، بين قدرته على الإبداع وقدرته على الكبح.
إنّ رؤية كاندينسكي وروريخ، رغم ما فيها من مثاليةٍ أخلاقية، تمثل أرقى ما بلغه الضمير الإنساني في توقه إلى عالم بلا حروب. لقد أرادا أن يطهّرا الإنسان بجماله، لكنّ الإنسان لا يزال يحتاج إلى ما هو أسمى من الفنّ ذاته: إلى وحيٍ يعيد توجيه طاقاته نحو الخير، ويعلّمه أن الحرب ليست قدَرًا بل مرضًا، وأن السلام ليس حالةً خارجية، بل نتيجةُ سلامٍ داخليٍّ بين الإنسان وخالقه.
