
يحتلّ مفهوم البحث الصادق عن الحق موقعًا محوريًا في البنية المعرفية للقرآن الكريم؛ إذ يربط الوحي بين صفاء النية في طلب الحقيقة وبين قدرة الإنسان (أو الجان) على إدراكها إدراكًا يتجاوز حدود الانتماء أو الطبيعة. فالهداية في المنظور القرآني ليست امتيازًا يمنحه الله لطائفة دون أخرى، بل هي ثمرة صدقٍ داخليٍّ وإخلاصٍ في التوجّه نحو الحق. ومن ثمّ فإن كلّ من أخلص نيّته، وتجرّد من أهوائه، وطلب الحقيقة بعقله وقلبه، لا بدّ أن يجد في القرآن صدى لما كان يبحث عنه.
إنّ الذين أوتوا العلم من أهل الكتب السابقة، حين سمعوا القرآن، لم يجدوا فيه غربةً عمّا سبق أن علموه من وحي الله، بل رأوا فيه امتدادًا للحقيقة ذاتها التي عرفوها في التوراة والإنجيل:
(وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (سبأ: 6).
وهذه الرؤية المعرفية المتناغمة مع الوحي تكررت على نحو مدهش في استجابة الجنِّ للقرآن في سورة الأحقاف:
(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ… قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (الأحقاف: 29-30).
ففي كلا المشهدين نرى وحدةَ الموقف أمام الوحي: الذين أوتوا العلم من البشر، والجن الذين لم يكن لهم من الوحي نصيبٌ سابق، كلاهما توصّل إلى أن القرآن هو الحق، لا عبر الإكراه ولا بالوراثة الدينية، بل عبر فعلٍ معرفيٍّ نابعٍ من الاستماع الصادق والتدبّر العقلي والفطري معًا.
يتجلّى الإعجاز القرآني لا في الأسلوب وحده، بل في النظام الداخلي الذي يربط بين آياته ربطًا يجعلها نسيجًا واحدًا، مهما تباعدت موضوعاتها بين السماوات والأرض والإنسان والغيب. هذا الاتساق البنيويّ لا يمكن أن يكون نتاج فكرٍ بشريٍّ محدودٍ بزمان أو ثقافة، بل هو برهانٌ على مصدرٍ إلهيٍّ واحدٍ محيطٍ بكلّ تناقضات الوجود:
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء: 82).
إنّ التدبّر هنا ليس دعوة إلى التأمل المجرد، بل إلى التحقّق المنطقي من الاتساق الداخلي للقرآن؛ أي اختبار صدق الرسالة من خلال انسجامها البنيوي. وهكذا تصبح كلّ آية لبنةً في صرحٍ واحدٍ يشهد على وحدة المصدر والغاية، ويُظهر أن الحق لا يمكن أن يناقض نفسه، وأنّ العقل السليم يجد في الوحي ما يوافق منطقه الأسمى لا ما يصادمه.
الهداية القرآنية ليست فعلاً معرفيًا خالصًا ولا وجدانيًا خالصًا، بل هي تفاعلٌ بين نور العقل وصفاء الفطرة. فالعقل يتدبّر والضمير يصدّق، وحين يتّحدان في طلب الحقيقة، يتحقق ما عبّرت عنه الآيات السابقة من استجابةٍ فوريةٍ للحق.
ولذلك، فإنّ الهداية لا تتأتى بالوراثة أو الجدل، بل بالصدق والإخلاص والتجرّد من الأهواء. وهذا ما يفسر كيف سبق الجنُّ بعض البشر في إدراك صدق الوحي، إذ لم يَحُل بينهم وبين الحقّ إرثٌ دينيٌّ أو تحيّزٌ معرفيٌّ، فكانوا أقرب إلى الفطرة الأولى التي تستجيب للنور حين تراه.
إنّ وحدة استجابة الذين أوتوا العلم والجنِّ للقرآن الكريم تمثل دليلًا على كونية الخطاب القرآني، الذي لا يخاطب جماعةً دون أخرى، بل يخاطب الوعي الكوني في الإنسان والجنّ على السواء.
فمن يبحث عن الحق بصدق، يجد في القرآن ما يؤكّد تصوّره النقي لما ينبغي أن يكون عليه الحق؛ ومن أعرض أو جادل، فلأنّه فقد صِدق البحث لا لأنّ الحق غاب عنه. وهكذا يبقى القرآن المرآة الصافية التي تعكس صدق الباحث أكثر مما تُثبت ذاتها؛ فمن رأى فيه الحق، فقد شهد على نقاء بصيرته قبل أن يشهد على صدق الكتاب.
