حين سبَّبَ اللهُ لتدخُّلِه المباشر بقميصِ يوسف وبعصا موسى وبعضِ بقرةِ قومِه

.تتحكَّمُ في الغالبيةِ العظمى من وقائعِ الوجود وظواهرِه وأحداثِه أسبابٌ لولاها ما كان لها أن تحدث، وبالكيفيةِ التي قُيِّضَ للعلمِ أن يتبيَّنَها ويُسِّرَ له بها أن يستخلصَ قوانينَها. غير أنَّ لهذا التوصيف حدوداً فرضتها طبيعةُ هذا الوجود الذي عرَّفنا الدينُ الإلهي بجانبٍ آخرَ منه تلطَّف واستخفى عن أنظارِ العِلم حتى خُيِّلَ إليه ألا وجودَ له. وهذا الجانب، اللطيف الخفي، هو ما جلَّته المعجزات وغيرُها من خوارقِ العادات، والتي لم يتأتَ للإنسانِ أن يحيطَ بشيءٍ منها إلا في سياقاتٍ ذاتِ صلةٍ بالدينِ الإلهي؛ فالأنبياءُ المُرسلون الذين اصطفاهم اللهُ جاؤوا أقوامَهم بدينِه الحنيف وبآياتٍ أعجزتهم عن التعليلِ لها وعن أن يأتوا بمثلِها. ولذلك سُمِّيَت هذه الآيات بـ “المعجزات”.
والقاسم المشترك بين كلِّ هذه المعجزات هو أنها تحدثُ بتدخُّلٍ مباشرٍ من لدن الله، هو العلةُ من وراءِ استعصائها على التعليلِ العقلي وعلى أن يكونَ بمقدورِ الإنسانِ أن يأتيَ بمثلِها. فالعلمُ ليس بوسعِه أن يدرسَ من أحداثِ الوجود غيرَ تلك التي قُدِّرَ له أن يتبيَّنَ القوانينَ التي هي السببُ من وراءِ حدوثِها. أما المعجزات، فقوانينُها قد غُيِّبَت عن الإدراكِ البشري، ولذلك يتعذَّرُ على الإنسانِ أن ينجحَ في التعليلِ لها. غير أنَّ الملاحَظَ على المعجزات هو أن حدوثَها الإعجازي قد جعلَه اللهُ تعالى مسبَّباً بأسبابٍ لا علاقةَ منطقيةً لها بها، ومن ذلك قميصُ سيدِنا يوسف الذي “سبَّب به” اللهُ تعالى للشفاءِ الإعجازي للنبي يعقوب: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (84 يوسف)، (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا) (من 93 يوسف)، (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا) (من 96 يوسف).
وكذلك عصا النبي موسى التي “سبَّبَ بها” اللهُ تعالى لمعجزةِ تحولِها إلى أفعى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) (32 الشعراء)، ولمعجزةِ شقِّ البحر: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (63 الشعراء)، ولمعجزةِ تدفُّقِ الماءِ من الحجر: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) (من 60 البقرة). وهذا ينسحبُ أيضاً على جزءٍ من بقرةِ قومِ النبي موسى؛ هذا الجزءُ الذي “سبَّبَ به” اللهُ تعالى لإحياءِ القتيل الذي تعاهدوا على إخفائه والتستُّرِ عليه: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (72- 73 البقرة).
والملاحَظُ على هذه “الأسباب” أنها، وبالمقارنةِ مع الأسبابِ التي سبَّبَ بها اللهُ تعالى لحدوثِ الغالبيةِ العظمى من أحداثِ الوجود، تشتملُ على خارقيةٍ لا تقلُّ إعجازاً عن النتائجِ المعجزة التي أفضت إليها: فما الذي يجعلُ قميصاً يشفي بصرَ إنسان؟ وما الذي يجعلُ عصا تنقلب ثعباناً مبيناً؟ وكيف يعلِّل العِلم لشقِّ بحرٍ بمجردِ ضربِه بعصا؟ أم كيف تعلِّل قوانينُ الفيزياء لانبجاسِ اثني عشرةَ عيناً من الماء، بلا زيادةٍ أو نقصان، من حجرٍ بمجردِ ضربِه بهذه العصا؟ وما الذي في لسانِ البقرة من كامنِ أسرار حتى يُحيي اللهُ تعالى به ميتاً؟
أسئلةٌ لن تزيدَ آياتِ اللهِ التي أيَّدَ بها أنبياءَه المُرسَلين إلا غموضاً إلى غموض وإعجازاً على إعجاز، الأمرُ الذي يعسِّرُ علينا، وإلى حدِّ الاستحالة، أن يكونَ بمقدورِنا أن نزيلَ عنها إعجازَها بما بين أيدينا من العِلم.

أضف تعليق