قراءة نقدية للمشروع الفكري لهيرمان هِسّه… الرحلة والحقيقة

ظلّ سؤال الحقيقة أكثر الأسئلة إلحاحاً في الفكر الإنساني منذ بدايات الوعي، وهو السؤال الذي بنى عليه هيرمان هِسّه مشروعه الروائي والفكري الممتدّ من دميان إلى سيدهارتا ولعبة الكريات الزجاجية. غير أن ما يميّز هِسّه هو إصراره على أن الحقيقة ليست شيئاً خارج الإنسان، بل تكمن في داخله منذ البداية، في أعماق الوعي والروح، وأن رحلة البحث عنها ليست سوى طريقٍ إلى اكتشاف ما كان حاضراً فينا منذ الأزل.
في روايته الأشهر سيدهارتا، يجسّد هِسّه هذا المبدأ من خلال رحلة البطل الذي يهجر المعابد والمعلّمين، ويجوب العالم بحثاً عن المعرفة، ليكتشف في نهاية المطاف أن الحقيقة التي سعى إليها كانت كامنةً في ذاته.
تبدأ الرواية بقلقٍ وجودي عميق: الإنسان لا يرضى بما يُقال له، بل يسعى لأن يجرّب بنفسه، فيسلك طريق التجربة والمعاناة ليبلغ “السكينة”. وعندما يصل سيدهارتا إلى ضفاف النهر، يدرك أن النهر لم يكن خارجاً عنه قط؛ لقد كان مرآةً لرحلته الداخلية.
هكذا تتجسّد لدى هِسّه الفكرة المركزية: أن الإنسان يحمل الحقيقة في داخله منذ البدء، لكنه لا يعيها إلا بعد أن يضلّ عنها.
تتجاوز هذه الفكرة إطارها الديني أو البوذي لتغدو مشروعاً وجودياً متكاملاً. فهيسّه لا ينكر العالم، ولا يعظ بالانسحاب منه، بل يرى في الانغماس في التجربة شرطاً للوعي. إن الألم، الفشل، والضياع ليست مراحل ينبغي تجاوزها، بل أدواتٌ تكشف للإنسان عن ذاته. ومن هنا تتقاطع رؤيته مع النزعة الإنسانية الوجودية في القرن العشرين، ومع فكرة “الولادة الثانية” عند يونغ التي تأثر بها هِسّه كثيراً.
فالحقيقة في فكره ليست معطى جاهزاً، بل ثمرة ولادةٍ روحية لا تتحقق إلا عبر مخاض التجربة. الإنسان لا يُعطى الحقيقة، بل يُصبح أهلاً لها.
غير أن المشروع الهِسّوي، على عمقه الإنساني، يغفل عن مفارقة جوهرية: لو لم يخض الإنسان تلك الرحلة الشاقة لما أمكنه أن يدرك الحقيقة التي في داخله. إن المسافة الخارجية ليست عبثاً، بل ضرورة معرفية. فالحقيقة، وإن كانت تسكن الداخل، لا تكشف عن ذاتها إلا لمن تاه عنها، لأنها لا تُمنح إلا بعد اختبار الضياع.
إن من يكتشف الحقيقة في ذاته دون أن يرحل، لم يعرفها حقاً، بل توهّمها. وحده الذي جال في الآفاق، وجرب اللذة والألم، وواجه عجزه وضعفه، يمكن أن يعود إلى نفسه فيجدها جديدةً عليه — كما لو أنه يراها للمرة الأولى.
ليست الحقيقة في نهاية المطاف هدفاً جغرافياً نبلغه، بل رحلة صدقٍ داخلي تُختبر عبر الجهد والمشقّة. فالحقيقة لا تُمكّن الباحث عنها من أن يُحيط بها حتى تتبيّن صدقه في سعيه إليها. وبرهان هذا الصدق ليس في كثرة ما تعلّم، بل في عمق ما تألّم وتطهّر به بحثه من شوائب الزيف.
إن الإنسان، في نظر هِسّه، كان يحمل الحقيقة معه منذ البداية، أما في نظرنا، فإن تلك الحقيقة لن تكشف له عن وجهها حتى يبرهن لها أنه مستحقّها؛ والاستحقاق هنا ليس عقلاً فحسب، بل تجربة، ومعاناة، وصدق وجودي لا يخلو من العذاب.

أضف تعليق