
يُخطئ من يظن أن كلَّ ما يحدث في هذا الكون يمكن أن يُفهم على ضوء القوانين التي اكتشفها الإنسان. فالعِلم، وإن بلغ ذروته في تحليل الظواهر واستنباط العلل، إنما يتحرك ضمن دائرة الأسباب التي أُذن له أن يدركها. هذه الأسباب التي تحكم أغلب ظواهر الوجود هي سنن الله الجارية في الكون، وهي مما جعله الله متاحًا للعقل البشري كي يفهم به انتظام العالم.
لكنّ القرآن الكريم يُنبِّهنا إلى وجود جانب آخر من الوجود، لطيفٍ خفيٍّ، لم يُيسَّر للعلم أن يبلغه، لأنه يقع وراء الحجاب الذي يفصل بين عالم الشهادة وعالم الغيب. هذا الجانب هو ميدانُ التدخل الإلهي المباشر في نظام الأسباب؛ وهو الميدان الذي تتجلّى فيه المعجزات وخوارق العادات، لا لتقويض العلم أو مصادرة العقل، بل لتذكير الإنسان بحدود كليهما.
لقد دأب العقل المتدين — في مقارباته الشائعة للمعجزات — على النظر إليها بوصفها خروقات عشوائية لقوانين الطبيعة، يراها تعبيرًا عن القدرة الإلهية المطلقة التي لا تُسأل عن سبب، دون أن يتأمل في دلالة أن الله تعالى نفسه هو من “يسبب” لهذه الخوارق أن تقع.
وبهذا الفهم الساذج، جُرِّدت المعجزة من بعدها المعرفي، وحُصرت في بعدها الانفعالي الذي يثير الدهشة والخشوع فقط.
غير أن القرآن الكريم، في عرضه للمعجزات، لا يُقدِّمها كمجرد خرقٍ للنظام الكوني، بل كـحدثٍ مسببٍ بأسبابٍ من نوعٍ آخر — أسبابٍ تتجاوز منطق العلية المعتاد، لكنها لا تُلغيه. فالفرق الجوهري بين الفهم المتدين والفهم القرآني هو أن الأول يرى المعجزة “ضدَّ” النظام، بينما الثاني يراها “من داخل” النظام ولكن بنظامٍ أعلى منه.
في أغلب الظواهر التي يتعامل معها العِلم، يكون للنتيجة سببٌ مباشر يمكن تتبُّعُه وتحليله واستنطاق قوانينه. أمّا في المعجزات، فإنّ الله تعالى يجعل العلاقة بين السبب والمسبَّب علاقةً رمزيةً لا عقلية، تكشف عن سلطانه المطلق على قوانين الوجود ذاتها.
فما الذي يجعل قميصًا يشفي بصر نبيٍّ فقد بصره من الحزن؟
وما الذي يجعل عصًا تتحول إلى ثعبانٍ حيٍّ، أو بحرًا ينشقّ بضربةٍ منها؟
وكيف يمكن لجزءٍ من بقرةٍ مذبوحةٍ أن يكون سببًا في إحياء ميت؟
إنها جميعًا أسبابٌ مأذونٌ لها أن تُبطِل منطقَها الظاهر لتكشف عن منطقٍ خفيٍّ آخر؛ منطقِ القدرة الإلهية التي تعمل في صميم المادة لا من خارجها.
فالله تعالى لا يُبطل السنن، بل يُبدِّل ترتيبها حين يشاء، فيجعل من القميص سببًا للشفاء، ومن العصا وسيلةً للإحياء، ومن الماء الخارج من الحجر آيةً على سرّ الحياة الكامن في الجماد.
العِلمُ لا يملك أدواتٍ للتعامل مع المعجزة، لا لأنّ المعجزة تخرق قوانينه، بل لأنها تتجاوز حدود اشتغاله. فالعِلمُ لا يدرس إلا ما يستطيع إخضاعه للتكرار والملاحظة والقياس، بينما المعجزة تقع مرةً واحدة في التاريخ، في لحظةٍ مخصوصةٍ لحكمةٍ مخصوصة.
ومن هنا، فإنّ الإعجاز لا يقف في مواجهة العِلم، بل في مواجهة ادّعاء العلم الكلّي. إنه يقول للعقل البشري: لقد جُعلت لك أسبابٌ لتعرف بها ما في الكون، ولكن ليس كلُّ ما في الكون لك أن تعرفه.
فالقرآن لا يطلب من الإنسان أن يفسّر المعجزة، بل أن يتعقّلها دون أن يبتذلها؛ أن يدرك من خلالها أن في الوجود طبقاتٍ من السببية لا يمكن للعقل أن يبلغها مهما ترقّى.
إنّ المقاربة التي تدعو إليها هذه المقالة ليست إنكارًا للعلم ولا تهوينًا من شأن العقل، بل دعوةٌ إلى أن يُدرِك كلاهما حدودهما الطبيعية.
فالمعجزة، في ضوء القرآن، ليست حدثًا ضدّ العلم، بل تذكيرًا بما يتعالى عليه العلم.
هي وحيٌ للعقل بأنّ هناك مستوى آخر من الوجود لا يُدرك بالمعادلات، بل بالبصيرة؛ مستوى تتداخل فيه المادة والروح، والعلة والمعلول، والظاهر والباطن، في انسجامٍ لا تقدر اللغة العلمية على توصيفه.
وهذا هو جوهر الإبستمولوجيا القرآنية: أن الله تعالى هو السبب الأوّل لكلّ سبب، وأن كلّ قانونٍ طبيعي إنما هو ظلٌّ لقانونٍ إلهيٍّ أعلى، فإذا شاء اللهُ أوقف العملَ بظلّه ليُظهر أصلَه.
بهذا المعنى، لا تكون المعجزة نفيًا للعلم، بل تصحيحًا لغروره.
وهكذا، فإنّ ما يبدو لنا إعجازًا ليس خروجًا عن نظام الوجود، بل كشفٌ عن بُعدٍ فيه كان مستورًا عن وعينا. فالمعجزة إزاحةٌ جزئيةٌ للحجاب بين عالم الشهادة وعالم الغيب؛ لا تنقض قوانين الطبيعة، بل تبرهن على أنّ هذه القوانين ليست مغلقة على ذاتها، بل مفتوحة على أمرٍ إلهيٍّ متعالٍ عنها.
لقد أراد الله تعالى أن يجعل من تلك الأسباب غير المنطقية دروسًا في تواضع العقل، ليعلم الإنسان أن علمه محدودٌ بما أُذن له أن يعلم، وأنّ ما وراء ذلك هو فضاء الغيب الذي يُدرك بالإيمان لا بالتجربة.
فالخوارق ليست عبثًا ولا صدفًا، بل تربيةٌ للوعي الإنساني؛ تجعل الإنسان، كلّما ازداد علمًا، أكثر خضوعًا للحقيقة الكلية، وأكثر إدراكًا بأنّ ما لم يُدركه بعقله أوسعُ مما أدركه به.
ومن هنا تتجلّى الحكمة القرآنية الكبرى: أنّ العلم سبيلٌ إلى الله، لكن المعجزة تذكيرٌ بأنّ الله ليس سبيلًا إلى شيء؛ لأنه هو العلة الأولى لكلّ ما يُدرَك، ولِما لا يُدرَك.
