من دنشواي إلى كوان ثانك… لماذا يأبى التاريخ إلا أن يعيد نفسه؟

تاريخ الإنسان على هذا الكوكب ليس سوى خريطة ممتدة من الدماء. فحيثما نضع أصبعنا على أي حقبة من تاريخه، نجد حربًا، غزوًا، استعمارًا، أو تطهيرًا عرقيًا بألوانه المختلفة: الأبيض والأسود والأحمر والبرتقالي، بل وحتى البنفسجي حين تتوشح الجريمة قناعًا ثقافيًا أو إنسانيًا لتخفي وحشيتها خلف أسماء براقة.
إنها سلسلة متصلة من الإبادات التي تتبدل فيها الأدوات، وتتغير الرايات، لكن الفاعل واحد: الإنسان.
بين مذبحة دنشواي في مصر عام 1906، حين أُعدم الفلاحون تحت شعار العدل الذي كانت ترفعه الإمبراطورية البريطانية، ومجزرة كوان ثانك في فيتنام عام 1968، حين أُبيدت قرية بأكملها على يد جنود مدججين بالسلاح يرفعون شعار الديمقراطية، يمتد خيط واحد من الظلم الإنساني المتكرر.
في دنشواي، كانت الشمس لاهبة، والفلاحون يحصدون رزقهم، فجاء الجنود البريطانيون ليحولوا قرية بسيطة إلى محكمة ميدانية.
وفي كوان ثانك، كانت الأمطار تهطل، والنساء يحملن أطفالهن، فجاء الجنود الأمريكيون ليحولوا قرية خضراء إلى رماد.
الفارق الوحيد هو الزي، والسلاح، والعصر. أما الجريمة فهي نفسها، والعقل الذي أنجبها لم يتبدل.
ما الذي يجمع بين دنشواي وكوان ثانك، وبين آلاف المذابح الأخرى عبر العصور؟
إنه الإنسان ذاته، حين تتحرر عدوانيته من كل قيد أخلاقي أو قانون طبيعي. فالحيوان، وإن كان يقتل، لا يقتل إلا لحاجة، أما الإنسان فيقتل لأنه قادر على القتل، ولأن في أعماقه كيانًا متوحشًا يأنس للدم كما يأنس غيره للهواء.
لقد أُوتي الإنسان عقلًا ليهذب غرائزه، لكنه استعمل هذا العقل لتطوير أدوات القتل نفسها. ومن هنا كانت المفارقة: فكلما ازداد “تحضره”، ازداد اتقانه لفن الإبادة.
يقال إن التاريخ يعيد نفسه، لكن الحقيقة أن التاريخ لا يفعل شيئًا؛ الإنسان هو من يعيد نفسه، لأنه لم يتغير في جوهره منذ أن حمل أول سيفٍ وصنع أول كذبة لتبريره.
فالنفس البشرية، مهما تلونت بثقافات أو معتقدات أو شعارات، لا تزال هي ذاتها: نفسٌ تأمر بالسوء، وتميل إلى السيطرة، وتجد في إذلال الآخر راحةً غريزية خفية.
وما دام هذا الكيان المتوحش في الإنسان لم يُروّض بعد، فإن التاريخ سيظل يدور في حلقته الجهنمية، من دنشواي إلى كوان ثانك، ومن كوان ثانك إلى حيث سيقع الغد الذي لم يتعلم الإنسان كيف يمنعه.
التاريخ إذن ليس كتابًا عن الماضي، بل مرآةً للحاضر، ورسالةً للمستقبل.
وحين نقرأه، علينا أن نكفّ عن لعن الطغاة والجلادين والمستعمرين، لأنهم جميعًا يخرجون من رحمٍ واحد: الإنسان.
إنها المأساة الكبرى التي لم يدركها بعد: أن أعداءه ليسوا خارج أسواره، بل يسكنونه.
فما لم يتعلم الإنسان أن يواجه وحشه الداخلي، سيبقى التاريخ يعيد نفسه — لا لأن الزمن يدور، بل لأن الإنسان لا يتغير.

أضف تعليق