يُفترض أن يكون الإنسان، بما أوتي من عقلٍ ومنطقٍ وتجربةٍ تاريخيةٍ طويلة، أقدر الكائنات على تشخيص تناقضاته وتصحيحها. غير أنّ الواقع الإنساني، منذ أن شرع في تدوين تاريخه وحتى عصرنا الراهن، يروي حكاية مغايرة تمامًا: حكاية كائنٍ يُمعن في مراكمة تناقضاته، حتى باتت جزءًا من نسيجه الذهني والأخلاقي.
فما كان ينبغي أن يُعدّ دليلاً على نضج العقل صار في المقابل برهانًا على عجزه عن الانسجام مع ذاته.
يُظهر التاريخ الحديث أمثلةً صارخة على هذا العجز، لعل أبرزها ما تجلّى في السياسة الأمريكية خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب، الذي رفع شعار “السلام من خلال القوة” ليجعله حجر الزاوية في علاقات بلاده مع العالم.
لكن المدهش في الأمر أن هذا الشعار ذاته هو ما تقوم عليه العقيدة السياسية لرئيس كوريا الشمالية، الذي يسعى لترسيخ بلاده كقوة نووية تردع خصومها وتجبرهم على احترامها.
فكيف غاب عن الرئيس الأمريكي أن المبدأ الذي يمجّده هو ذاته المبدأ الذي يبرّر به خصمه سياساته؟
إنّها مفارقة لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها تجلّيًا للعجز الإنساني عن إدراك تناقضاته حين تلبس لباس المصلحة أو الوطنية أو “الحق المقدس”.
الأدهى من ذلك أن هذا الخطاب المزدوج يُروَّج له باسم “القيم المسيحية” ذاتها، وكأنّ المسيح الذي قال:
«لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟» (لوقا 6: 41)
قد دعا إلى محاسبة الآخرين لا إلى مراجعة الذات!
إنّ التبشير بالمحبة بينما يُمارس الإكراه، والدعوة إلى السلام عبر التهديد، هو منتهى التناقض الأخلاقي الذي يُبرهن على فقدان الوعي بأبسط مبادئ العقيدة التي يُرفع لواؤها.
لقد نسي كثيرون من المتباهين بانتمائهم إلى المسيح أن جوهر الرسالة المسيحية لم يكن يومًا في القوة، بل في الصفح، والرحمة، والتواضع أمام الحق.
ما يجعل هذه المفارقة عابرةً للزمان والمكان هو أنّ الإنسان، في كل عصرٍ، يميل إلى إسقاط ظلال خطاياه على غيره، ويأنف من مواجهة ذاته. فالسلوك القائم على التناقض ليس حكرًا على أمةٍ أو عرقٍ أو دين، بل هو ظاهرةٌ كونيةٌ تُعبّر عن خللٍ عميق في وعي الإنسان بذاته وحدود منطقه.
وهكذا يبقى المبدأ الإنجيلي القديم صالحًا لزماننا كما كان صالحًا لزمان المسيح، لأنه يذكّر الإنسان بأن أكبر خطرٍ يتهدده ليس في الخارج، بل في عماه عن رؤية الخشبة التي في عينه.
إنّ أول خطوةٍ في طريق الوعي الحقيقي هي الاعتراف بالتناقض لا إنكاره، وتحويل المنطق من أداةٍ لتبرير الذات إلى وسيلةٍ لتقويمها.
فما لم يتعلم الإنسان أن ينظر في مرآة منطقه بصدقٍ، سيظلّ يصنع السلام بالصواريخ، ويتحدث عن المحبة بلسان الكراهية، ويظنّ أنه يرى القذى في عين غيره بينما هو غارقٌ في خشبته الكبرى.
