
منذ فجر التاريخ الديني، ظلّت الصلاة التعبير الأسمى عن توق الإنسان إلى العروج الروحي، ووسيلته للاتصال بالمطلق. غير أنّ القرآن الكريم، وهو يعيد تعريف علاقة الإنسان بربّه، لم يجعل الصلاة مجرّد طقسٍ شكليٍّ أو أداءٍ ميكانيكيٍّ للركوع والسجود، بل رفعها إلى مستوى الاختبار الأخلاقي والميزان القيمي الذي تُقاس به حقيقة الإيمان.
فليست الصلاة في المنظور القرآني أداءً جسديًّا فحسب، بل هي منظومة قيمٍ وسلوكٍ تنعكس آثارها على حياة المصلّي كلها: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت: 45).
الصلاة في القرآن ليست مجرّد علاقة عمودية بين العبد وربّه، بل هي كذلك علاقة أفقية بين الإنسان وذاته ومجتمعه.
فالفعل “صَلَّى” في العربية يتضمن معنى الاتصال والاصطفاف والالتصاق بالغاية، وهو ما يشير إلى أن جوهر الصلاة هو الانسجام بين الداخل والخارج، بين القول والفعل، بين الشعور والنية والسلوك.
إنّ الآية الكريمة تجعل النهي عن “الفحشاء والمنكر” أثرًا لازمًا للصلاة الحقيقية، مما يعني أن القيمة الأخلاقية هي البرهان المادي على صدق الممارسة التعبدية. ومن هنا يمكن القول إنّ القرآن قد نقل مركز الثقل من الممارسة الشكلية إلى التجربة القيمية.
حين يقول الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، فهو لا يقرّر نتيجة آلية، بل يشير إلى تحوّل في البنية النفسية للمصلّي.
فالصلاة ليست ردعًا خارجيًا بل تربية داخلية تُهذّب الغرائز، وتضبط الرغبات، وتعيد ترتيب سلم القيم في النفس.
من هنا جاء حديث النبي ﷺ: “من لم تَنْهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، فلا صلاة له”، ليؤكّد أن المعيار ليس عدد الركعات، بل أثرها في ضبط السلوك.
إنّ الصلاة التي لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لا تختلف عن جسدٍ بلا روح، أو عن عملٍ فقد غايته. فهي شكل بلا مضمون، وإيقاع بلا معنى.
يُعيد النص القرآني ضبط العلاقة بين العبادة والأثر؛ فالأثر هو الدليل على صدق العبادة، والنتيجة معيار لمستواها.
وهذا المنطق يتكرّر في العبادات كلها:
في الصوم: “لعلّكم تتّقون” (البقرة: 183) → الغاية التقوى، لا الجوع والعطش.
في الزكاة: “تطهّرهم وتزكّيهم بها” (التوبة: 103) → الغاية التزكية، لا مجرّد الإعطاء.
وفي الصلاة: “تنهى عن الفحشاء والمنكر” → الغاية الانضباط الأخلاقي.
بهذا الفهم، تصبح العبادة في القرآن نظامًا معرفيًا وأخلاقيًا متكاملاً يهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، لا مجرد تنظيم طقوسه الخارجية.
يمكن للمصلّي أن يحكم بنفسه على مستوى صلاته دون وساطة أحد. فحين يرى نفسه أبعد عن الفحشاء والمنكر، وأقرب إلى الاتزان، والتسامح، وضبط النفس، فذلك دليل على أنّ صلاته قد بلغت المقام الذي أراده الله لها.
أما إذا بقيت صلاته مجرّد عادةٍ زمنيةٍ أو تكرارٍ جسديٍّ لا يترك أثرًا في ضميره وسلوكه، فذلك يعني أنّها فقدت روحها، وغدت شكلاً من أشكال الانفصال عن جوهر العبادة.
إنّ فهم الصلاة وفق هذا المنظور يضعنا أمام تحوّل إبستمولوجي في معنى العبادة: من الفعل الطقسي إلى الوعي القيمي.
فالصلاة ليست مجرّد أداة للثواب الأخروي، بل مدرسة مستمرة لتربية الضمير، وصقل الإرادة، وتأسيس العلاقة السليمة بين الإنسان وخالقه ومجتمعه وذاته.
ولعلّ جوهر الرسالة القرآنية في هذا السياق هو أن العبادة التي لا تُصلح الإنسان من الداخل، لا تُصلح العالم من الخارج.
فمن هنا تبدأ النهضة الحقيقية: من لحظة صدقٍ بين المصلّي وربّه، تتجسّد بعدها في صدقٍ مع الناس والحياة.
