
كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم معلِّماً في حِلِّه وترحالِه، أوليس هو القائل: “إنما بُعِثتُ معلِّماً”؟
والتعليمُ النبوي سُنةٌ عمل بها الأنبياء المُرسَلون منذ بدايةِ عهدِ الإنسان بالنبوةِ والرسالات؛ فالسيدُ المسيح عليه السلام كان معلِّماً لحَوارييه كما كان النبيُّ موسى عليه السلام معلِّماً لقومِه. والنبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم لم يكن بِدعاً من الرسُل حتى يكتفي بالمواعظِ والأحاديث، وذلك من دون أن يشتملَ منهاجُه التعليمي على سيرٍ في الأرض مع الذين آمنوا به يشرح لهم ويبيِّن لهم بالمثالِ والقياسِ والنموذج. ومن ذلك ما وردَ في صحيحِ مسلم من أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَرَّ بقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقالَ: لو لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ، قالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بهِمْ فَقالَ: ما لِنَخْلِكُمْ؟ قالوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قالَ “أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ”.
يُعلِّمنا رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بهذه الحادثة أنَّ لكلٍّ اختصاصَه الذي يُسِّرَ له، فلا ينبغي لغيرِ ذوي الاختصاص أن يدلوا برأيٍ في مسألةٍ لا حكمَ فيها لغيرِهم. ولذلك قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: “استعينوا على كلِّ صنعةٍ بصالحِ أهلِها”. ولو أنَّنا فعلنا ما أمرَنا به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم لَما أفتى في الأمورِ إلا مَن هو أعلمُ بها من غيرِه، ولَما أصبحنا في هذه الحيرةِ المعرفيةِ من أمرِنا ونحن نتلقى، وعلى مدارِ الساعة، أحكاماً ونصائحَ من كلِّ مَن هبَّ ودَب، ومن دون أن يتأدبَ المتطاولون على اختصاصاتِ غيرِهم بفتاوى وتوجيهاتٍ ضَرُّها أكثرُ من نفعِها. فالناسُ أعلمُ بأمرِ دنياهم، وهم ليسوا سواء؛ فصالِحو أهلِ كلِّ صنعةٍ هم أعلمُ من غيرِهم بأمرها. ولذلك فإذا أردنا أن نلتزمَ أمرَ اللهِ تعالى بوجوبِ أن نطيعَه ونطيعَ رسولَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، فإنَّ علينا أن نحذوَ حذوَ معلِّمِنا وقدوتِنا ورسولِنا صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم فلا نفتي في أمرٍ ليس لنا به عِلم.
