
يُعدّ مفهوم المسارعة في الخيرات أحد المفاهيم المحورية في البنية الأخلاقية للخطاب القرآني، إذ يتجاوز نطاق الشعائر التعبدية إلى فضاءٍ أوسع من السلوك الإنساني القائم على الإحسان، وكفّ الأذى، ومجاهدة النفس. وتكشف الآيات الكريمة عن أن هذه المسارعة ليست فعلاً انتقائيًا أو جزئيًا، بل هي تجلٍّ لوحدة الإيمان وتكامله في بعديه العقدي والسلوكي.
يُورِد القرآن الكريم في أكثر من موضع صفات المؤمنين الذين يسارعون في الخيرات، ومن أبرزها قوله تعالى:
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 114).
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: 90).
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61).
تدل هذه الآيات على أن المسارعة في الخيرات ليست فعلاً عرضيًا يُضاف إلى الإيمان، بل هي صفة ملازمة له، بل هي الترجمة العملية للإيمان ذاته. إذ لا يكتمل الإيمان إلا إذا اقترن بالفعل الذي يُجسّد أثره في الواقع الاجتماعي والنفسي.
من الإشكالات التي تعتري الفهم العملي للمسارعة في الخيرات ميل بعض المؤمنين إلى المفاضلة بين مفردات العمل الصالح، فيغلبون بعض العبادات على بعض، ويقصرون الخير على ما يتصل بالشعائر التعبدية دون غيرها.
غير أن هذا الفهم يتعارض مع المنظور القرآني الشمولي الذي لا يفرّق بين ما هو تعبدي وما هو سلوكي، بل يجعل كليهما وجهين لعملة واحدة هي الإيمان.
فالمؤمن الذي يحرص على أداء الصلاة في أوقاتها، لكنه يؤذي الناس بلسانه أو فعله، قد وقع في صورةٍ من نقص الإيمان، لأن عمله الصالح قد فُصل عن غايته الأخلاقية التي هي تزكية النفس، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45).
يُبرز الخطاب القرآني العلاقة التلازمية بين الإيمان والعمل الصالح، بحيث لا يتقدّم أحدهما على الآخر في القيمة أو الأثر، لأن كمال الإيمان مشروط باتساق السلوك مع المبدأ، واتساق المبدأ مع السلوك.
ومن هذا المنطلق، فإن المفاضلة بين مفردات الخير — كأن يُقدَّم جانب العبادات على جانب الأخلاق — تمثل انقسامًا في الوعي الديني يُفضي إلى تجزئة الإيمان، ويُضعف أثره في النفس والمجتمع.
فالعمل الصالح، كيفما تجلّى، يُقيم التوازن بين علاقة الإنسان بربه وعلاقته بخلقه، على نحوٍ يجعل من الإحسان معيارًا جامعًا بين الطرفين، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195).
المسارعة في الخيرات، في ضوء هذه القراءة، ليست مجرد سباقٍ نحو أداء الطاعات، بل هي وعيٌ متكامل بمسؤولية الإيمان عن إصلاح النفس والغير. وهي، في جوهرها، رفضٌ لأيّ مفاضلة بين أركان الإيمان ومفردات العمل الصالح، لأن الإيمان في الرؤية القرآنية كلٌّ واحد لا يتجزأ.
فلا خير في صلاةٍ لا تنهى صاحبها عن الأذى، ولا في عبادةٍ لا تنعكس رحمةً في السلوك. وصدق رسول الله صلی الله تعالى عليه وسلم القائل: “الدين المعاملة” — إذ جمع بهذا القول الموجز كلّ معاني المسارعة في الخيرات في بعدَيها التعبدي والإنساني.
